بلاد الرافدين تعاني من الجفاف وشح المياه والأزمة تنذر بالخطر

بدأت ازمة شح المياه والجفاف الذي يشهده بلاد الرافدين تدق ناقوس الخطر، في ظل عدم وجود أي مؤشرات إيجابية أو اجراءات حكومية لدرء هذا الخطر الداهم والوقاية منه، في الوقت الذي ينشغل فيه الساسة والمسؤولون بجرائم السرقة والنهب وهدر المال العام في اطار آفة الفساد المستشرية في العراق الجريح منذ ابتلائه بالاحتلال الغاشم وحكوماته المتعاقبة.

والغريب في الأمر هو ان ما يسمى الانتخابات البرلمانية المقبلة على الابواب ولا يلوح في الأفق أي مشروع أو برنامج لعمل ما يمكن عمله خلال المرحلة القريبة أو البعيدة لمعالجة هذه الكارثة ومحاولة وضع حد للأزمة الانسانية غير المسبوقةالتي لم يعرفها هذا البلد منذ عقود، بل بدلا من ذلك نرى المرشحين منشغلين بالمهاترات والخلافات الرامية الى تحقيق مصالحهم الشخصية الضيقة على حساب معاناة العراقيين المظلومين الذين لجأوا إلى حفر الآبار والعودة الى الوسائل البدائية لتدبير أمورهم الحياتية وتوفير احتياجاتهم من الماء الذي يقول الله سبحانه وتعالى عنه في محكم كتابه العزيز: ((وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ)).

 ووفقا لمعدّلات الانخفاض المتواصل والمؤشرات الحالية لمخزون المياه في العراق، فان تفاقم هذه الازمة قد يؤدي إلى ارتفاع معدّلات نقص الغذاء، والنزوح العكسي من الريف الى المدينة، وازدياد ظاهرة الفقر الذي وصل الى نسب مخيفة، نظرأ لتداعيات التغير المناخي واحتكار المياه السطحية من قبل دول المصدر وهي سوريا وتركيا، وبذلك لم يعُد اسم (بلاد ما بين النهرين) الذي أطلق على العراق يعكس واقع الحال، فقد أضحى هذا البلد الذي كان أكبر مصدّر للقمح في العالم سابقا، المستورد الأكبر له حاليا.

ومع اقتراب موسم الصيف تزداد مخاوف العراقيين من حدوث كارثة إنسانية وبيئية بسبب انخفاض منسوب مياه نهر دجلة إلى حد الجفاف، مع الحديث عن إدخال سد (أليسو) التركي الى العمل في منتصف العام الجاري ما يُدخل العراق في حالة من الجفاف غير المسبوقة، جيث يُعد سد (أليسو) ـ الذي بدأت تركيا ببنائه في آب عام 2006 ـ من أكبر السدود المقامة على نهر دجلة، ويستطيع هذا السد الذي تبلغ مساحة بحيرته نحو (300) كيلومتر مربع، تخزين كمية من المياه تقدر بأكثر من (11) مليار متر مكعب.

وفي هذا الصدد، توقعت وزارة الزراعة الحالية أن تُلحق شحة الأمطار ـ التي لم يشهدها العراق مثيلا لها منذ (70) عاما ـ خسائر فادحة بالقطاع الزراعي في حال استمرار أزمة المياه وعدم ايجاد حلول ناجعة لها، فيما أكد عدد من أعضاء مجلس النواب الحالي ان العراق سيخسر 40% من أراضيه الزراعية خلال فترة قصيرة جدا، نتيجة الانحفاض الكبير لمناسيب المياه وخاصة في نهر دجلة.

وفي محافظة ميسان، حذر أحد اعضاء ما يسمى مجلس المحافظة من مغبة تفاقم أزمة المياه وخاصة في المدن والقرى الجنوبية، وأكد إن المحافظة تعاني الان أزمة خانقة جراء شح المياه .. محملا الحكومة الحالية مسؤولية عدم التدخل الفوري وايجاد الحلول الملائمة لمنع وصول أزمة شح المياه الى ذروتها، والحيلولة دون تأثيرها السلبي على الزراعة بشكل عام.

وعزا المسؤول ـ الذي فضل عدم نشر اسمه ـ سبب تفاقم الازمة الى بناء السدود من قبل تركيا والذي  شكل عبئاً على تدفق كميات المياه المطلوبة الى العراق، في ظل عجز الحكومة الحالية وعدم تنسيقها مع الجانب التركي لإيقاف انشاء السدود، في الوقت الذي يتوجب فيه على العراق بناء النواظم المائية لتدارك هذه الأزمة الخطيرة.

بدوره قال ناشط عراقي: "إن المسؤول الأول والأخير عن هذه الازمة هى السلطات بسبب سوء التخطيط وتجاهل الدعوات وتكالب السياسيين على المناصب على نهب ثروات الشعب العراقي طيلة  السنوات التي سبقت هذه الكارثة، دون التفكير في إيجاد حلول لها" .. موضحا ان هدف القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية الحالية ـ التي لم تكترث بمعاناة الشعب العراقي ـ هو تحقيق مصالحها الشخصية وامتيازاتها السياسة دون الاهتمام بهذه الازمات التي ستتسبب في هلاك الجميع.

ويتمثل التحدّي المائي الأحدث في معالجة آثار انخفاض منسوب مياه الأنهار، فارتفاع معدّلات التبخّر في الوقت الذي تشهد فيه البلاد شحّاً في مستويات المياه العذبة، قوّض التوازن الذي كان قائماً بين المياه العذبة ومياه البحر في منطقة شمال الخليج، ما أدى إلى زحف المياه المالحة شيئا فشيئا  نحو الداخل وغزوها لمجاري الأنهار، وبالتالي ستكون لها آثار مدمّرة على الصعيدين الزراعي والبيئي.

ونتيجة لتفاقم أزمة شح المياه والجفاف اضطر المزارعون العراقيون ولا سيما في المحافظات الجنوبية إلى التخلي عن حقولهم، كما اقدمت الحكومة الحالية على حظر زراعة الأرز في محاولة يائسة للتخفيف من حدّة آثار الجفاف، ما أدى الى تحويل العراق الذي كان يشتهر بزراعة هذه المادة الحيوية إلى دولة مستوردة لها.

وفي سياق ذي صلة، أدى الانخفاض الحاد في مستوى مياه نهر الفرات إلى انحسار مجال التزويد بالتيار الكهربائي حتى النصف، كما يتوقع أن يؤدي هذا الانخفاض المتواصل في منسوب المياه إلى إغلاق التوربينات المتبقية المنتجة للطاقة على ضفاف النهر.

يشار الى ان المصدر الطبيعي للمياه في العراق هو الأنهار والبحيرات المتكونة من الأمطار والثلوج والتي تُعد أكبر حقول لتوفير الاحتياجات المائية، اضافة الى المصدر الصناعي المتمثل بالبحيرات والسدود والأحواض الكبيرة التي تعمل بنظام توفير وخزن المياه من الأنهار، لترفد البلاد بما يحتاجه من مياه.

من المعلوم ان نهر الفرات ينبع من المرتفعات الجبلية شرقي تركيا، ويتجه إلى سوريا ثم يدخل الأراضي العراقية عند مدينة (القائم) بمحافظة الأنبار، ليلتقي مع نهر دجلة في شط العرب عند المصب النهائي في الخليج العربي، فيما ينبع نهر دجلة من مرتفعات جنوب شرق تركيا، ويدخل الأراضي العراقية عند قرية (فيشخابور) وصولاً إلى شط العرب ثم الخليج العربي.

الجدير بالذكر ان اتفاقيات المياه الدولية الموقّعة بين العراق وتركيا وإيران وسوريا، ومنها اتفاقية (لوزان) عام 1923، تنص في مادتها رقم (109) على ضرورة تزويد دول المنبع دولاً أخرى بكميات كافية من المياه، إلا ان هدر العراق لمعظم مياه أنهاره التي تصب في الخليج العربي، وعدم وجود خطط حقيقية توازن الحاجة من المياه مقابل الكميات المهدورة، حال ذلك دون استفادة هذا البلد من تلك الكميات المهدورة منذ الغزو الأمريكي عام 2003، ما أدى الى تفاقم الازمة الحالية التي يدفع العراقيون الان ثمنها الباهض.

وكالات + الهيئة نت

ح