الموصل.. نصف عام من (التحرير)

 عدت حرب الموصل واحدة من أكبر الحروب الحضرية منذ الحرب العالمية الثانية، وأقلها شفافية؛ حيث كانت حربًا ضروسًا دمرت الحياة بشكل شبه كامل في ثاني أكبر مدن العراق من حيث السكان. حرب لم تميز بين مدني ومقاتل ولا بين منزل وهدف عسكري ولا بين مبنى أثري أو حديث، ناهيك عن استهداف المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والكهرباء، وتدمير جميع الجسور التي تربط جانبي المدينة عبر نهر دجلة: كليًا أو جزئيًا وإخراجها من الخدمة، فضلًا عمّا أصاب شبكة الطرق الرئيسة في المدينة من أضرار بالغة.

وقد مرَّ نصف عام على إعلان رئيس الوزراء الحالي (تحرير) مدينة الموصل، وما زال معظم سكانها يعيشون ظروفًا إنسانية غير مسبوقة، حيث أتى القصف العنيف الذي تعرضت له المدينة طوال أشهر الحرب التسعة -برًا وجوًا- على نسبة عالية من الأعيان المدنية. ويشير تحليل أولي لصور الأقمار الصناعية طلبتها الأمم المتحدة[1] إلى أن مساكن المواطنين كانت الأكثر تضررًا، ناهيك عن أنه لا تزال هناك جثث آلاف المواطنين الذين قضوا تحت أنقاض القصف إلى تأريخ إصدار هذا التقرير، لم تقم الجهات الحكومية المعنية بانتشالها، ولا يزال الركام والحطام يغلق أحياء سكنية كثيرة من الموصل، ولا سيما أحياء المدينة القديمة التي تحولت إلى مقبرة لأهلها؛ الأمر الذي يفسر عدم عودة مئات الآلاف من النازحين على الرغم من انتهاء المعارك في المدينة، إذ أعلن (المجلس النرويجي للاجئين) في إحصائية أولية أن (640 ألف) عراقي نازح على الأقل لا يستطيعون العودة إلى مناطقهم في غربي الموصل بسبب الدمار الهائل الذي حلّ بها[2]. وهذا ما أكدته أيضًا منظمة (أنقذوا الأطفال) بقولها: إن مناطق أيمن الموصل تحولت إلى ركام، وأن مئات الآلاف من الأطفال مصابون بندوب نفسية بسبب ما عايشوه خلال الحرب، ويحتاجون لسنوات إن لم تكن عقودًا لتجاوز الحالات النفسية التي يعانون منها[3].

من ضمن المواقع المهمة التي تم تدميرها بقصف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حرم جامعة الموصل، حيث تم تسوية عدة مبانٍ مع الأرض في القصف، وتضررت معظم الجدران التي بقيت واقفة جراء الشظايا. فضلًا عن إحراق مختبر الحاسوب وقاعة المسرح في الجامعة ومبنى المكتبة التي كانت تحوي أمهات الكتب والمراجع القديمة في شتى العلوم.

وقد اُصيب نحو (60 ألف) منزل بأضرار مختلفة، منها أكثر من (10 آلاف) منزل دُمّر بشكل كامل. وقد تعطلت جميع قطاعات الأعمال الخاصة والعامة في المدينة، حيث طال القصف أكثر من (20 ألف) مبنى تجاري وصناعي، وفقًا للصور الجوية التي تم التقاطها لصالح من الأمم المتحدة، التي أظهرت أنه قبل إعلان بدء الحرب، تعرض (235) مبنى للضرر بشكل جزئي أو كلي، بينها ما لا يقل عن (85) منزلًا. في حين جرى خلال الأشهر الخمسة الأولى من الحرب استهداف البنية التحتية الاستراتيجية بشكل كبير، مثل: شبكات الطرق والجسور والمباني العامة، فضلًا عن المصانع والمجمعات التجارية الكبرى والأسواق في المدينة، كما أصيبت جميع الجسور الخمسة الواصلة بين ضفتي نهر دجلة بأضرار بالغة أخرجتها من الخدمة، ناهيك عن تدمير مطار المدينة ومحطة السكك الحديدية وتدمير ما يقرب من (80٪) من القطاع الطبي الرئيس في الموصل. وأظهرت اللقطات المصورة تضرر حوالي (145) كيلومترًا من شبكة الطرق داخل المدينة بشكل عام، (115) كم منها في غرب المدينة[4].

لا تزال عمليات انتشال جثث الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال معارك استعادة الموصل من تنظيم (الدولة_ داعش)، على الرغم من مرور أكثر من ستة أشهر على إعلان بغداد استعادة المدينة، حيث أعلن في السابع من الشهر الماضي، عن انتشال تسع وعشرين جثة من تحت أنقاض منزلين في المدينة القديمة للموصل. 

وقال مسؤول محلي في مجلس مدينة الموصل الحالي إن القوات الحكومية منعت الصحافيين والمنظمات الدولية من زيارة المقابر التي خصّصت لدفن الجثث التي يعثر عليها تحت الأنقاض، مؤكدًا أن ثلاث مقابر غصّت بجثث الضحايا التي يتم انتشالها، ونستعد حاليًا لافتتاح مقبرة رابعة. وذكر المسؤول أن الأرقام التي لدينا تؤكد انتشال أكثر من (4800) جثة، طوال الأشهر الستة الماضية، مشيرًا إلى أن 70% منهم أطفال ونساء وكبار في السن، مضيفًا أن أعداد قتلى المدنيين تجاوزت (14 ألف) ضحية، ومؤكدًا أن الأعداد مرشحة للارتفاع خلال المدة المقبلة، ناهيك عن أنه لم يتم استخراج الجثث التي دفنت على الأرصفة وفي الحدائق المنزلية، أو في الساحات العامة، خلال الحرب التي شهدت تنفيذ أكثر من 30 ألف غارة جوية على المدينة من قبل الطيران: الأميركي والبريطاني والفرنسي والأسترالي، فضلاً عن الحكومي[5].

شهدت الموصل بجانبيها الشرقي والغربي أكبر موجات النزوح هربًا من جحيم القصف العنيف في المناطق الآهلة بالسكان، التي كانت معزولة تمامًا عن العالم الخارجي بفعل الحصار الخانق الذي كانت تفرضه القوات الحكومية وحلفاؤها. وغادر المدينة خلال الحرب أكثر من مليون شخص، وطبقًا لتقديرات الأمم المتحدة؛ فإن أكثر من نصف النازحين كانوا من الأطفال وحوالي (700 ألف) منهم نزحوا من غرب الموصل. وقالت المنظمة الدولية للهجرة: على الرغم من انتهاء الحرب إلا إن أكثر من (80٪) من النازحين لا يزالون يقيمون في مخيمات أو في مواقع الطوارئ المعدة لفرز المدنيين الذكور عن الإناث، وإجراء ما يسمى بـ(الفحص الأمني) للرجال والشبان وحتى الصبيان، أما بشأن من عاد إلى المدينة، فمعظمهم يستأجرون منازل في أماكن أخرى غير مناطقهم، أو يقيمون مع أصدقائهم أو أقربائهم أو يغامرون بالعيش تحت سقوف مبان تضررت بفعل الحرب.

وقالت المتحدثة باسم المنظمة في العراق (ساندرا بلاك): إن نحو ثلث النازحين العائدين أكدوا أنهم وجدوا منازلهم مدمرة تمامًا أو إلى حد كبير، ونحو الثلثين الآخريَن وجدوها متضررة بشكل متوسط[6]، وقد أكدت مصادر صحفية أن العدد القليل من نازحي الموصل الذين غامروا بالعودة إلى مناطقهم، يعانون بشدة من القلق والعوز، وفقدان جميع متطلبات الحياة، ولا تأبه الحكومة التي زعمت أنها (حررتهم) لمأساتهم، وكأنهم ليسوا بشرًا لهم حق العيش والمأوى والحياة الكريمة كما يعبّر أحدهم في تصريح نقلته عنه وكالات إخبارية محلية. وقد غادرت الشهر الماضي نحو (500) عائلة مدينة الموصل ونزحت مجددًا؛ بسبب انعدام الخدمات اللازمة لديمومة الحياة في مناطقهم التي عادوا إليها في الشهر الذي قبله.

وبشأن عودة الأقليات إلى المنطقة كالسابق، شككت المنظمات الدولية في إمكانية عودة: المسيحيين والأكراد واليزيديين وغيرهم، الذين يشتكون من عدم وجود خطط لإعادة إعمار المدينة، معتبرين ذلك أمرًا مخيبًا للآمال، في ظل استحالة عودة المدينة كما كانت في سابق عهدها بسبب المعالم الكثيرة التي فقدتها خلال الحرب.

وقعت عشرات المجازر بحق المدنيين خلال حرب الموصل؛ راح ضحيتها الآلاف من أهالي المدينة بين قتيل وجريح، بحسب الحصيلة الأولية للخسائر في صفوف المدنيين. ولا تزال الحقائق تتكشف يومًا بعد آخر؛ الأمر الذي يُرجّح ارتفاع حصيلة الضحايا بشكل كبير، على الرغم من أن الأرقام التي تم الكشف عنها بشأن أعداد المدنيين الذين قتلوا جراء القصف والحصار في الموصل هي أعلى بكثير من تلك التي سبق الإبلاغ عنها، فضلًا عن أن معظم المنظمات الدولية المعنية بإحصاء ضحايا الحروب قامت بالتركيز على رصد أعداد ضحايا الضربات الجوية من المدنيين، واستثنت الأعداد العالية لضحايا القصف المدفعي والصاروخي والقتال وعمليات القنص وضحايا الجوع الذي شهدته المدينة. وقدرت منظمة العفو الدولية أن أعداد الحقيقية للضحايا أعلى بعشر المرات من تلك التي تم الإعلان عنها رسميًا من قبل الحكومة في بغداد وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية[7].

لا يقتصر المشهد في الموصل على صور الدمار المروعة؛ حيث ارتفعت معدلات الجريمة ومستوى الفساد بين القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها التي تسيطر على الموصل الآن، ولا سيما ما يجري في نقاط التفتيش الحكومية المنتشرة في المدينة؛ فقد قال عدد كبير من أهالي الموصل الذين التقاهم مندوبو قسم حقوق الإنسان في الهيئة: إن المدينة بشطريها تحولت بعد الحرب إما إلى مقبرة لا حياة فيها، ويقصدون الجانب الغربي منها، أو باتت: مرتعًا للعصابات والقتلة وانتشار الجرائم والخطف تحت تهديد السلاح، والإخفاء القسري، والاحتجاز غير القانوني، والابتزاز، والسطو المسلح، فضلًا عن إحراق المنازل بعد سرقتها في الجانب الشرقي من الموصل، بذريعة الانتقام من أهلها الذين يتهمون بأنهم كانوا على صلة بـتنظيم (داعش)، حيث جرت مئات الحالات من هذا القبيل خلال الأشهر الماضية، تم فيها ابتزاز كثير من الناس وإجبارهم على دفع فدية تتراوح غالبًا بين (30 ألف) و (60 ألف) دولار أمريكي، وبحسب تفاوت الوضع المالي بين المستهدفين، في حين تجاوز بعضها (150) ألف دولار. وقام القسم بتوثيق حالات خطف وابتزاز عديدة كان السكان المحليون ضحايا لها.

التقى ممثل من قسم حقوق الإنسان بعدد من أهالي الموصل النازحين الذين عادوا إلى المدينة حديثًا، والذين كانوا يتجمعون عند مبنى أمني حكومي في المدينة، وتحدث معهم بشأن أسباب تجمعهم؛ فقالوا له: إنهم يريدون تقديم معاملات طلب تعويضات مقابل ما تعرضت له منازلهم من أضرار جراء القصف الذي طال الأحياء السكنية وأتى على مناطق واسعة في المدينة ولا تزال آثاره شاخصة.

ومن المثير للاستغراب ما أدلى به عدد من الأهالي بأن معاملاتهم لا يتم ترويجها إلا بعد التأكد من أن أصحاب المنزل ليسوا مطلوبين أو لا يوجد بين أفراد العائلة من هو مطلوب بتهمة الانتماء لتنظيم الدولة (داعش)، والشرط الأخر هو الأكثر ريبة، حيث تطلب الدائرة القانونية ضرورة تحديد تأريخ وقوع الأضرار قبل (التحرير) وليس خلاله ولا بعده. وهذا ما أكده كل من التقيناه من أهالي الموصل بعد السؤال عن صحة هذه الطلبات والشروط الواجب توفرها لترويج معاملاتهم، علمًا أنه لا توجد مبالغ مرصودة لصرفها لمستحقي التعويضات، وبخلاف ذلك يتم إهمال الطلبات المقدمة من المتضررين وعدم النظر فيها وإحالتها للكشف كي يتم تثبيت الأضرار والتصديق عليها تمهيدًا لوضعها بضمن المعاملات المستحقة للدفع أملًا في حصول أصحابها على تلك الأموال بعد توفرها.

وعند الاستفسار عن السبب القانوني وراء الشروط التي وضعتها الحكومة لترويج معاملات التعويض؛ أجابنا أحد المختصين بالقانون قائلًا: نية الحكومة بفرض هذه الشروط هي التأكيد أن الأضرار لم تكن بسبب القوات الحكومية أو القوات الحليفة لها، في محاولة للتنصل عن مسؤولية تلك القوات عن وقوع الأضرار، سواء أكانت بشأن التكلفة البشرية أو المادية للحرب، ونسبتها جميعًا لتنظيم (داعش) كي لا يقوم أي متضرر بتقديم شكوى على الحكومة بهذا الصدد مستقبلًا.

 قسم حقوق الإنسان

 21 /جمادى الأولى/ 1439هـ

  7/2/2018م

 

[1] https://goo.gl/PUKZHn

 [2] https://www.nrc.no/

 [3] https://goo.gl/4dMgg1

 [4] https://goo.gl/b8XAfe

 [5] https://goo.gl/URs2en

 [6] https://goo.gl/6mCcnC

 [7] https://goo.gl/HaRsdk