فائض القوة وفائض الغضب في معادلة الحراك الإيراني ... د. مثنى عبدالله

  • مقالات
  • 1183 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 09-01-2018 02:06 مساء

أعلن حرس الثورة الإيرانية يوم الأربعاء 3 يناير انتهاء حركة الاحتجاج التي شهدتها البلاد، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 21 شخصا، على الرغم من أنها ما زالت مستمرة. فهل حقا أُخمدت النيران؟ وهل من حق أحد أن يعلن نهاية حراك شعبي مبرر؟.

لفهم ما حدث مؤخرا، لا بد من الولوج من بوابة فائض القوة، الذي يقول عنه جورج فريدمان كبير الباحثين في مركز ستراتفور، بأنه السبب الذي استطاعت به طهران (التفوق في المنطقة من دون التحالف مع الولايات المتحدة، وبوسعها الاشتباك معها أيضا)، ولتعزيز هذا الفائض جاءت الميزانية العسكرية للعام الحالي لتحفل بالمزيد من الإنفاق العسكري.

 فعلى الرغم من الأزمة المالية الحادة فقد ارتفعت مخصصات الحرس الثوري في الموازنة بنسبة تزيد على 40 في المائة. وبينما كانت مخصصاته في الموازنة السابقة ستة مليارات ونصف المليار، أصبحت حاليا ثمانية مليارات ونصف المليار، مضافا إليها مصادر تمويل ذاتي، حيث يسيطر على جزء من النشاط الاقتصادي للدولة، ولديه شركات تجارية خاصة داخل إيران، وعلاقات تجارية خارجية. في حين لم تشمل الزيادة الجيش الإيراني وبقيت موازنته على حالها، والسبب في هذا التباين معروف، فالحرس الثوري مرتبط بأيديولوجية النظام القائمة على أساس تصدير الثورة.

 كما أنه الحارس الأمين للحدود الشرقية مع باكستان وأفغانستان، وهو يؤدي دورا بارزا في العراق وسوريا ولبنان واليمن بشكل علني، وأدوارا سرية في دول أخرى. وعليه فإن المسارح التي سيُصرف فيها فائض القوة المعزز بالموازنة الجديدة هي كما يقول قائد الحرس محمد علي جعفري، تعزيز وجود الحرس في الخارج بصفة مستشارين، وتطوير الوجود الفعلي للميليشيات المرتبطة به في الدول المجاورة، مثل الزينبيين والفاطميين في سورية، والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. وكذلك الاستمرار في برنامج الصواريخ البالستية التي يشرف عليها والمفارز البحرية.

هنا لابد من الإشارة إلى أن الحرس الثوري هو الأداة الرئيسية لتنفيذ الاستراتيجية العظمى الايرانية المسماة (نظرية أم القرى)، التي صدرت عام 1980 وتقوم على مراحل هي: أولا، السيطرة على المجال الحيوي لإيران وهو آسيا العربية. ثانيا، أن تتشاطأ إيران في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. ثالثا، السيطرة على بقية العالم العربي والعالم الاسلامي، على أساس أن الراية الإيرانية هي راية الإسلام التي يجب أن تُرفع في كل العواصم الاسلامية.

لابد من التذكير أيضا بأن الإنفاق العسكري الايراني بلغ في عام 2017 حوالي 9.2 في المائة من إجمالي الناتج، وإذا لاحظنا أن الناتج المحلي كان 412 مليار دولار، هذا يعني أن الإنفاق العسكري كان 11 مليار ونصف المليار دولار، آخذين بنظر الاعتبار أن التجهيزات العسكرية والمعدات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة كلها إنتاج محلي.

أما فائض الغضب الذي فجّر الحراك الشعبي الأخير فهو أكثر ما يخشاه النظام. لأن أولى مسلمات إيران الجيوسياسية هو الاستقرار الداخلي والحفاظ على النظام والثورة، لهذا السبب بقيت كل المعارضة الداخلية ضمن حديث الثورة، وتوجيهات المرشد، على الرغم من الصراعات السياسية القائمة بين أجنحة النظام. والحادث الأخير هو المثال الأحدث لهذا الصراع، الذي سبقه في عام 2009 هو كذلك.

لقد أحال الرئيس روحاني الميزانية الجديدة إلى البرلمان للمصادقة عليها، وكان أبرز ما فيها هو زيادة أسعار المشتقات النفطية مثل رفع سعر لتر البنزين من 1000 تومان إلى 1500، زيادة أسعار الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين كالكهرباء وأجور النقل والماء، ورفع الدعم عن الحاجات الأساسية، وحجب الدعم المقدم إلى ذوي الدخل المحدود، الذي يستفيد منه ما بين 20 – 30 مليون مواطن، فوجد المحافظون ضالتهم الكبرى فيها لتوجيه ضربة كبرى لروحاني، من خلال تحريك الشارع ضده. وأول هؤلاء كان إمام جُمعة مشهد آية الله أحمد علم الهدى الذي خاض صهره رجل الدين إبراهيم رئيسي، رئيس سدنة الإمام الرضا في مشهد، الانتخابات منافسا لروحاني وفشل، حيث صرح قائلا "التجمع في مشهد على الغلاء كان مُحقّا، ومطالب الشعب بمواجهة الغلاء وتأمين متطلباتهم أمر مُحق من دون التساؤل عن الأسباب".

لكن نزول المواطنين بكثافة إلى الشوارع وانتشار التظاهرات في غالبية مدن إيران، ورفع شعارات تمس شخصية المرشد وحرق صوره، والتنديد بالتدخل في شؤون الدول وتبديد الأموال على الميليشيات، أنذرت علم الهدى بأن السيطرة قد فُقدت فسارع بتصريح مناقض لما قاله، داعيا إلى اتخاذ إجراء صارم ضد المحتجين "إذا تركت وكالات الأمن وإنفاذ القانون مثيري الشغب وشأنهم فإن الاعداء سينشرون صورا في إعلامهم ويقولون إن نظام الجمهورية الإسلامية فقد قاعدته الثورية".

ويبدو أن روحاني فهم رسالة أحمد علم الهدى فأوعز إلى نائبه بتصريح قال فيه "بعض الحوادث التي وقعت في البلاد حصلت بذريعة مشاكل اقتصادية، ولكن يبدو أن ثمة أمرا آخر خلفها، وأنا واثق بأن ذلك سيرتد عليهم".

 هذا هو الجانب السياسي في مشهد الحراك، الذي لم يكن يخلو من فائض الغضب بسبب أوضاع اقتصادية كريهة، فالكثير من الإيرانيين كانت لديهم توقعات بأن نهاية العقوبات الاقتصادية ستجلب لهم مستقبلا أكثر ازدهارا، وهو أمل دفعهم كي يخرجوا فرحين بالاتفاق النووي، لكن الصورة لم تتغير. بعد الاتفاق ازداد النمو وانخفض التضخم، وبدأت صادرات النفط تتدفق والاستثمارات الأجنبية تعود، من شركات مثل توتال الفرنسية ومؤسسة النفط الوطنية الصينية. لكن المواطن لا يجني من ذلك شيئا، فلا فرص عمل كافية خاصة للشباب الذين يمثلون نسبة 48 في المائة من السكان، وقد وصلت البطالة بينهم نسبة 25 في المائة، وتراجع التومان أمام الدولار بأكثر من 6 في المائة، واستمرت علميات بيع وشراء كل شيء ممنوع في شوارع طهران، من المخدرات مرورا بالأعضاء البشرية وصولا إلى الأطفال.

كما اتسعت الفجوة بين الفقير والغني، وانحدرت الطبقة الوسطى إلى مستوى الفقر. ثم أتت الميزانية الجديدة محملة بأثقال الصرفيات على التدخلات الخارجية، وملايين الدولارات للمعاهد والمقامات الدينية، يقابلها تقليل للإنفاق على البنى التحتية وإيقاف الدعم الحكومي، في ظل فساد مالي وإداري واسع، وحياة فارهة لكل أركان السلطة ومقربيهم. حينها بدت شعارات روحاني الانتخابية بتحسين الاقتصاد ورفع المستوى المعيشي مجرد كذبة كبرى، فهتفت الجموع (الموت لخامنئي) و (الموت لروحاني)، في إشارة إلى اليأس من كل النظام، محافظين وإصلاحيين. كما برزت ولأول مرة مقارنات بين حال الناس في النظام الحالي والنظام ما قبل الثورة الايرانية.

لقد تداخل العامل الاقتصادي مع العامل السياسي، إلى درجة يصعب فصل أحدهما عن الآخر في الحالة الإيرانية الاخيرة. لكن هل هذا مؤشر كاف للقول إننا ذاهبون نحو تكرار مشهد سقوط النظام الشاهنشاهي السابق قد يتجرعه النظام الحالي؟ سنحاول إلقاء الضوء على ذلك في مقال مقبل.