مسألة شرعية تتعلق بأحكام الطلاق البدعي وما يترتب عليه من نتائج وآثار

ورد إلى قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين سؤال؛ يتعلق بأحكام الطلاق البدعي، وما يترتب عليه، وفيما يأتي تفصيل المسألة:

السؤال: أنا مواطن عراقي، متزوج ولدي أطفال؛ وتعرضت في السنوات السابقة لحادث إصابة في رأسي الذي ما تزال فيه شظية من زجاج، وأصبحتُ على إثر ذلك كثير العصبية والانفعالات حتى انني عندما أكون عصبيًا لا أعي ما أقول.

مؤخرًا حصل إشكال بيني وبين زوجتي واستمر عدة أيام، وفي يوم ما رجعت إلى البيت وثار بيننا شجار فتعصبت وقلت لها: (إن لم تذهبي غدًا إلى أهلك فاعتبري نفسك مطلقة)، وبعد دقيقة أو اثنتين كررت تلك العبارة وقلت: (أخبرتك إن لم تفعلي فأنت مطلقة)، واستمر الخناق بيننا والمشادات؛ فوجدت نفسي مدفوعًا لقول: (أنتِ طالق.. ارتحتي!) مع العلم كانت زوجتي في حيض، وبيننا أطفال، وأنا الآن قلق كما هي بشأن حياتنا.

فأفيدونا جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فجواب السائل القائل لزوجته: ((أنت طالق , وكانت في حال الحيض)):

أولاً: اتفق فقهاء الشريعة الاسلامية على أن هذا النوع من الطلاق يسمى: طلاقاً بدعياً ؛ لأن الزوج تلفظ بالطلاق في غير الوقت المسموح به شرعا لإيقاع الطلاق فيه ؛ لأن الزوجة كانت في حال الحيض أو النفاس ؛ أو في حال طهر عاشرها زوجها فيه معاشرة جنسية فعلية فلا يجوز له شرعا أن يطلق زوجته في تلك الأوقات ؛ وذلك لقول الله تبارك وتعالى: ((يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم ....)) فاللام في كلمة (لعدتهن) تسمى لام الوقت والتاريخ ؛ أي فطلقوهن لوقت عدتهن ؛ وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن وقت الطلاق ؛ وهو أن تكون الزوجة في حال طهر لم يمسها زوجها فيه بمعاشرة جنسية فعلية ؛ ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((طلقت امرأتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض)) ؛ فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيّض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ثم قال: ((مرهُ فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى ؛ فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها ؛ أو يمسكها ؛ فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)) ؛ وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فطلقوهن في قُبُلِ عدتهن)) وفي رواية أخرى في صحيح مسلم ؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يطلقها في قُبُلِ عدتها))

 ثانياً: اتفق فقهاء الشريعة الاسلامية على أن الطلاق البدعي حرام ؛ وآثم فاعله ؛ وقد ارتكب ذنباً من كبائر الذنوب ؛ ولذا قال الإمام النووي: (أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض .... فلو طلقها أثم ... )

 ثالثاً: يجب على السائل وعلى كل من طلق أو يطلق زوجته طلاقاً بدعياً ؛ تجب عليهم التوبة الصادقة لله عز وجل ؛ أي: التوبة الصادقة من الطلاق البدعي ؛ وعليهم أن يعاهدوا الله عز وجل أن لايعودوا ولايكرروا الطلاق البدعي مستقبلاً ؛ مع الندم والإستغفار على ما وقع منهم ؛ وعليهم أن يشعروا أنفسهم بأنهم ارتكبوا معصية لله تبارك وتعالى لأنهم خالفوا أمره جل جلاله في تلفظهم بالطلاق في غير وقته الذي شرعه سبحانه وتعالى لهم في ذلك.

 رابعاً: وللعلماء الفقهاء في حكم وقوع الطلاق البدعي أو عدم وقوعه مذهبان:

 المذهب الأول: جمهور الفقهاء يرون أن الطلاق البدعي واقع على المطلقة ؛ ومحسوب على المطلِّق ؛ وتترتب عليه آثار الطلاق الشرعية ؛ ولو كان حراماً؛ وقد أثم فاعله ؛ ولزمته التوبة , ولهم أدلة كثيرة على ماذهبوا إليه.

المذهب الثاني: لجمع من الفقهاء من التابعين وغيرهم ؛ منهم الإمام سعيد بن المسيب وغيره على ماذكر ابن حجر في فتح الباري ؛ والقرطبي في تفسيره ؛ والشنقيطي في أضواء البيان ؛ ومنهم ابن تيمية ؛ وابن القيم ؛ وابن حزم ؛ والعلامة أحمد شاكر ؛ وغيرهم ؛ يرون أن الطلاق البدعي لايقع على المطلقة  قال الإمام سعيد بن المسيب: (لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة) ؛ ولايحسب على المطلِّق ؛ ولا يعتدّ به ؛ ولا يترتب عليه شيء من آثار الطلاق ؛ ولهم أدلة كثيرة على ما ذهبوا إليه.

والراجح من المذهبين فيما يبدو لي _ والله أعلم _ هو: المذهب الثاني؛ وذلك للآتي:

  1. لأن عقد الزواج أباح الزوجة لزوجها بيقين ؛ فلايزول ولايبطل هذا اليقين إلا بيقين وفق القاعدة الفقهية المشهورة (اليقين لايزول بالشك) ولذا لايجوز إبطال عقد الزواج بالشك أو بالشبهة من جرّاء طلاق مختلَف في وقوعه.
  2. لما كان الطلاق البدعي فيه خلاف فقهي مشهور ؛ والأدلة على إيقاعه محتملة واجتهادية ؛ والعلماء متفقون على أن الدليل إذا تطرقه الإحتمال بطل الاستدلال به ؛ لذا فالقول بعدم وقوع الطلاق البدعي أرجح دليلاً وأحوط شرعاً وعقلاً لما في ذلك من احترام عقد الزوجية ؛ وبقاء الأسرة ؛ لأن الأصل بقاء العقود على ما عليه ولا يصار إلى إلغائها وإبطالها إلا بدليل واضح لاشبهة فيه.
  3. ومعلوم أن المذهبَينِ متفقان على أن الطلاق البدعي منهي عنه ؛ ومتفقان على حرمته ؛ وجماهير الفقهاء والأصوليين متفقون أيضا على أن النصوص الشرعية الدالة على التحريم يلزم بها إبطال العقود والآثار المترتبة على كل عقد منهي عنه تحريماً ؛ وذلك للحديث المشهور: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ))

قال ابن القيم: (الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام ؛ فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود المنهي عنها تحريماً ؛ وأيضاً فكما أن النهي يقتضي التحريم ؛ فكذلك يقتضي الفساد ؛ وأيضاً فهو طلاق منع منه الشرع فأفاد منه عدم جواز إيقاعه فكذلك يفيد عدم نفوذه وإلا لم يكن للمنع فائدة ؛ فالزوج لو وكل رجلاً أن يطلق زوجته على وجه فطلقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ ؛ فكذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطلاق إلا إذا كان مباحاً ؛ فإذا خلف طلاقاً حراماً لم يصح) [ينظر: زاد المعاد ؛ وفتح الباري 11/266_270؛ تفسير القرطبي 9/100]

 خامساً: وفي ضوء ماتقدم ؛ فأقول للسائل: أن طلاقك غير واقع لأنه طلاق بدعي ؛ وعلاقتك الزوجية قائمة؛ وعليك أن تعلم أن الطلاق نظام شرعي دقيق يجب عليك وعلى كل مسلم متزوج إذا أراد استعماله أن يفقهه أولاً ؛ وأن يتقي الله عز وجل في إيقاعه والتلفظ به إلا وفق النظام الشرعي المقرر فيه ثانياً ؛ ومن خالف ذلك فتجب المبادرة بالتوبة الصادقة من ذلك وفق ما ذكرت لك في الفقرة (ثالثاً) من هذا الجواب ؛ والله أعلم.

 قسم الفتوى ـ هيئة علماء المسلمين