تعديل قانون الأحوال الشخصية .. ترسيخ للطائفية وتمزيق للمجتمع العراقي

منذ ابتلاء العراق بالاحتلال السافر وحكوماته المتعاقبة وانشاء ما يسمى البرلمان الذي بُني على أسس طائفية وعرقية مقيتة، لم ير الشعب العراقي المظلوم إقرار او انجاز اي قانون يصب في مصلحته او يحقق له الحد الادنى مما يطمح اليه في المجالات كافة ولا سيما الاجتماعية منها، وبعكس ذلك فان مجلس النواب لم ينشغل في جميع دوراته المتتاية منذ عام 2005 الا بتحقيق المصالح الشخصية لاعضائه ومناقشة القوانين والقضايا التي لا تُسمن ولا تغني من جوع ولا تقدم  للمواطن أي شيء.      

ومن أحدث مشاريع القوانين التي يعكف مجلس النواب الحالي على مناقشتها، اقتراح تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي يهدف الى ترسيخ النزعة الطائفية وتمزيق النسيج الاجتماعي العراقي التي حاول القانون (188) الذي صدر عام 1959 وتعديلاته أن يتجنبها وفقا للصلاحيات التشريعية التي تضمنها ولاسيما الأحوال الشخصية استنادا الى آراء المذاهب الإسلامية.

وعلى الرغم من الأزمة السياسية المشتعلة بين حكومتي بغداد واربيل اثر الاستفتاء الذي اجراه اقليم كردستان في الخامس والعشرين من ايلول الماضي، فإن مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي قدّمه عدد من اعضاء مجلس النواب الحالي مطلع الشهر الجاري ما زال يتصدّر المشهد العراقي، حيث يطالب المقترح بتغييرات جذرية في القانون وفقًا لكل طائفة ومذهب ديني ضاربا بعرض الحائط حقوق الزوجة والقاصرات وطبيعة العمل بالاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، الأمر الذي رفضه المجتمع العراقي والجمعيات والهيئات والنقابات الحقوقية والشخصيات العامة.

لقد تضمن المقترح المطروح على مجلس النواب الحالي تعديل سن زواج الفتيات من الثامنة عشرة إلى أقل من تسع سنوات، وإيقاف العمل بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان الذي يُعد الجزء الأساسي في النظام التشريعي العراقي، ما يكّرس فكرة زواج القاصرات بغطاء قانوني يشوّه صورة المجتمع ومدنية الدولة.

وفي بيان لها، رفضت نقابة المحامين العراقيين، المقترح وطالبت مجلس النواب بسحب مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي يهدف الى تكريس الهوية الطائفية على حساب مبادئ المواطنة ووحدة المجتمع .. مؤكدة ان تطبيق هذا التعديل سيتسبب في خسارة المرأة العراقية لحقوقها المكتسبة التي يضمنها قانون الأحوال الشخصية النافذ، لان المقترح يلغي مبدأ المساواة أمام القانون، ودور المحاكم في الزواج والطلاق.

وازاء ذلك، تصاعدت وتيرة الأصوات الرافضة لمقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم (188) الصادر عام 1959، وما زال الرافضون لهذا المقترح يواصلون احتجاجاتهم العلنية ضده .. متهمين الأطراف الساعية إلى تمريره بمحاولة تقسيم المجتمع العراقي على أسس طائفية، خصوصاً ان بعض بنود التعديل المقترح تسمح لأتباع الطوائف بابرام عقود الزواج والطلاق والميراث استناداً إلى المنظومة الفقهية لكل طائفة، كما يسمح أحد بنوده بتزويج القاصرات اللاتي لا تتجاوز اعمارهن التسع سنوات.

ومن ابرز الجهات الدولية الرافضة لمقترح التعديل الجديد والمطالبة بفتح حوارات شاملة بشأنه، بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) التي دعت مجلس النواب الحالي إلى دراسة تعديلات مسودة قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لعام 1959، بهدف ضمان الاحترام الكامل لحقوق المرأة .. مشددة على ان موضوع التعديلات على القانون النافذ يتطلب فهماً شاملاً للإجراءات القانونية والقضائية التي تحول دون تحقيق المساواة.

من جانبه، أكد ائتلاف (الوطنية) الذي يرأسه (إياد علاوي) نائب رئيس الجمهورية الحالي ان مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية يمثل إهانة كبيرة لإنسانية المرأة العراقية التي ستصبح سلعة تُباع وتُشترى وفقا للقانون الجديد، حيث قالت (صباح التميمي) العضو البارز في الائتلاف: "ان قانون الأحوال الشخصية النافذ مستنبط من رحم الشريعة الإسلامية، ويرتكز على المذهبين الجعفري والحنفي، وليس فيه أي مبدأ غربي أو مستورد" .. موضحة إن تفتيت نصوص القانون النافذ عبر نسخة معدلة سيخلّف انقسامات بين المذاهب والأديان ويؤسس للطائفية ويهدم وحدة الشعب العراقي بأكمله.

وما يشهده الشعب العراقي بصورة خاصة والعالم بوج عام اليوم ان الانتقادات اللاذعة لمقترح تعديل القانون اصبحت تنطلق في أغلبها من الكتل والشخصيات السياسية المشاركة في مجلس النواب نفسه بعد أن كانت مقتصرة على الفعاليات والهيئات الحقوقية والشخصيات المدنية والثقافية والأكاديمية، كما هاجم مقترح التعديل الجديد الكثير من النشطاء العراقيين من خلال هاشتاغ حمل عنوان: (كلا لقانون الأحوال الجديد)، وذلك لما تضمنه من تناقضات مع مباديء الدولة المدنية وتكريسا للطائفية، فيما عدّه آخرون انتكاسة للمرأة والأسرة العراقية.

وفي هذا السياق، أكدت (وحدة الجميلي) المسؤولة في المفوضية العليا لحقوق الإنسان، ان مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية يتعارض مع المواد الدستورية الحالية التي تحفظ للمرأة كرامتها وللمواطن حقوقه من منطلق إنسانيته وتحافظ على هويته الوطنية، كما طالب (جوزيف صليوا) عضو مجلس النواب الحالي، هيئة رئاسة المجلس بالاستماع إلى آراء الشارع العراقي واعتراضه ورفضه لمقترح قانون الاحوال الشخصية .. منتقدا محاولة الهيئة تمرير المقترح بطريقة غير قانونية.

ونقلت الانباء الصحفية عن (شروق العبايجي) عضو مجلس النواب قولها: "إن الجميع يتابع مخاطر وأضرار تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ رقم (188) لسنة 1959 الذي حافظ على وحدة النسيج العراقي طيلة السنوات الـ(58) الماضية" .. لافتة الانتباه إلى أن المقترح المرفوض ـ الذي يتضمن مخالفة دستورية واضحة ـ يحيل الأحوال الشخصية إلى الأوقاف في خرق لمبدأ الفصل بين السلطات.

وفي تعليقها على المقترح قالت (ريزان شيخ دلير) عضو لجنة المرأة والأسرة والطفولة في مجلس النواب في بيان لها: "ان تعديل قانون الأحوال الشخصية هو إعادة إنتاج لما يسمى بقانون الأحوال الجعفري، وإنه يشجع على زواج القاصرات، وهو نكسة للمرأة العراقية".

الجدير بالذكر ان (حسن الشمري) وزير العدل السابق كان قدّم الى حكومة (نوري المالكي) منتصف تموز عام 2013، مشروع قانونين مرتبطين معاً، هما:(قانون القضاء الشرعي الجعفري العراقي، وقانون الأحوال الشخصية الجعفرية)، ورغم احالة المشروعين إلى مجلس النواب لاقراره، فان عاصفة الاعتراضات المناهضة لهما شكلت حائط صد وعرقلت تشريع القانونين، لكن مجلس النواب الحالي عاد صوّت في الاول من تشرين الثاني الجاري على الموافقة من حيث المبدأ على مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ.

وكانت هيئة علماء المسلمين قد أكدت في بيان اصدرته أمس الاول الاربعاء ان التعديلات المقترحة على قانون الاحوال الشخصية يُعد ترسيخًا للنزعة الطائفية وتمزيقًا للنسيج الاجتماعي العراقي التي حاول القانون (188) لسنة 1959 وتعديلاته، أن يتجنبها بكل ما أوتي من صلاحيات تشريعية؛ مستفيدًا من آراء المذاهب الإسلامية التي تحتمل الوسطية والتقارب في الفروع الفقهية .. موضحة ان محاولات تمرير قوانين وإجراءات وسياقات ذات طبائع خاصة ستخلق واقعًا مضطربًا وحالة من الإرباك والبلبلة التي تؤدي إلى نتائج لا تحمد عواقبها وتضر بمصلحة العراق وشعبه.

وازاء ما تقدم، سيبقى قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 وتعديلاته؛ القانون الأكثر صلاحية في مجاراة روح ومبدأ المواطنة، والأكثر ملائمة للمرأة والرجل على حد سواء، لما فيه من تقارب وعدالة للجانبين، والأكثر إنسجاماً مع مقاصد الشريعة الاسلامية النبيلة، والأفضل رقياً وتحضراً ومجاراة للعصر، لانه القانون الذي يوحّد الغالبية العظمى من العراقيين ويمنع تعدد المحاكم وتنوع الاختصاصات.

وكالات + الهيئة نت

ح