الأُميّة والنظرية الأمنية! ... د. جاسم الشمري

  • مقالات
  • 363 قراءة
  • 0 تعليق
  • الأربعاء 22-11-2017 01:43 مساء

رغم أن الأُمِّيّة بمعناها العام يقصد بها عدم معرفة القراءة والكتابة إلا أن مفهومها في عصرنا الحالي ربما اختلف كثيراً – أو تطور – عن مفهومها السابق.

والإنسان الأُمِّيُّ - كما يذكر العلماء- هو "الذي لا يعرف القراءة والكتابة، أو الذي لا يستطيع أن يقرأ بطلاقة، أو يفهم، أو يكتب، أو أن يقوم بالعمليات الحسابية الأساسية الأربع دون أخطاء".

واليوم تعددت أنواع الأُمِّيّة فهنالك الأُمِّيّة التقنية والدينية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وربما تُطلق على الجهل في التعامل، أو التصرف، أو التعاطي مع الجوانب الإنسانية المتنوعة، إلا أنها في المعنى المطلق يُراد بها منْ لا يقرأ ولا يكتب.

إن تطور النظام السياسي للدول وزيادة الكثافة السكانية وتنامي التهديدات الإرهابية جعل من أهم واجبات الدول المعتبرة العناية بالجانب الأمني على اعتبار أنه إذا فُقد الأمن انهارت الدولة، وإذا وُجد الأمن ترعرعت وتطورت ولو كانت لا تمتلك إمكانيات مادية كبيرة، ذلك لأن المجتمعات الإنسانية تُبنى على أعمدة ثابتة ومنها العلم والأمن المجتمعي، أو سلامة المواطنين، التي تُعدّ من أكبر أعمدة استمرار الحياة الإنسانية، وإلا فإن مجمل جوانب الحياة ستكون مليئة بالرعب وعدم الاطمئنان.

معلوم أن النظرية الأمنية قائمة – في الغالب - على عناصر بشرية يفترض أن تمتلك مميزات غير تقليدية لأن مهمتهم غير اعتيادية؛ ولهذا لا يمكن القبول بفرضية أن الفاشل في دراسته الأَولى به أن يتجه للتعيين في أجهزة الأمن والشرطة والقوات المسلحة– كما يشاع في بعض مجتمعاتنا- لأن هذه الأجهزة الأمنية تتعلق بحياة الإنسان وسلامة الوطن والمجتمع؛ وبالتالي يفترض بمنْ ينخرط فيها أن يمتلك قدراً مقبولاً من الثقافة العامة، واللياقة الجسدية والسلامة الفكرية.

في نهاية الأسبوع الماضي أكد وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي، وجود "نحو 300 ألف منتسب بالوزارة لا يقرأ ولا يكتب، "أمّي"، وأن على الوزارة أن تستعين بالشهادات وخريجي الإعدادية على الأقل لتعيينهم في سلك الشرطة".

وهذه الأرقام الصاعقة التي ذكرها الأعرجي لا تشمل وزارة الدفاع ولا بقية الوزارات، وعليه فنحن أمام حالة تجهيل للدولة وانحراف في عموم مسارها التطويري، وإلا لا يمكن تصور أن تقبل أي دولة من الدول موظفاً ما - حتى لو كانت وظيفته خدمية- دون أن يكون عارفاً بالقراءة والكتابة في وقت وصلت فيه غالبية دول العالم لمراحل متقدمة في استخدامها للتقنيات في إدارة الدولة، أو في تقديم الخدمات للمواطنين!.

إن وجود أكثر من (300) ألف منتسب أُمِّيّ لا يعرفون القراءة والكتابة في وزارة الداخلية كارثة مجتمعية ينبغي الوقوف عندها، وعدم غض الطرف عنها  لأن غالبية هؤلاء لا يحسنون حتى الأسلوب الحضاري الواجب توفره في هذه الأجهزة التي تتعامل مع أغلى ما تمتلك المجتمعات، وهو الإنسان.

الأُمِّيّة داء خطير يدمر أيّ أمة من الأمم، ولا يعقل أننا في القرن الحادي والعشرين ونعاني من الأُمِّيّة بين نسبة ليست قليلة من العراقيين، وكيف يمكن تصور عطاء، أو أداء موظف أُمِّيّ، مع ضرورة إدخاله في دورات تطويرية لتعليم أساليب العمل وكيفية استخدام الكومبيوتر والعلوم العسكرية والفنية؟!.

ربما هنالك من سيعترض ويقول إن هؤلاء مستخدمون بوظائف خدمية، واعتقد أنه حتى هذه الوظائف باتت بحاجة للقراءة والكتابة لأن الحياة الإنسانية تطورت وصار لزاماً على من يؤدون وظيفة ما أن يفهموا ما يدور حولهم وإلا سيتسببون بكارثة مجتمعية في بلد يعاني أصلاً من مشاكل واضحة في بنية الدولة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن بينها الاعتقالات العشوائية.

إن من أهم الصفات الواجب توفرها في الموظف العام في العراق، وبالذات في أجهزة الجيش والشرطة: القدرة على القراءة والكتابة بشكل جيد، وامتلاك قدر معين من النباهة والدقة، فضلاً عن السلامة الفكرية، ومنها عدم الانتماء لأي حزب سياسي، وكذلك اللياقة البدنية والمهارة السلوكية الإنسانية في التعامل مع الآخرين.

الدول لا تُبنى إلا بالعلم، فمتى نترك البناء العشوائي ونتجه لبناء دولة المواطنة القائمة على العدل والعلم والمواطن والموظف المتعلم الواعي لدوره في البناء؟!.