إشكالية النصر الخادع .. تتجدد في العراق! ... طلعت رميح

كثيرا ما تتكرر تلك الظاهرة عبر الصراعات خلال التاريخ، حين يتصور مسؤول أو قائد ما، أنه حقق نصرا كاسحا (استراتيجيا) على خصمه، ثم يتصرف على هذا النحو ليجد نفسه – بعد مدة من الوقت - واقعا في مأزق، صنعه سوء تقديره وتصوراته المتعجلة لنتائج المعركة السابقة، إذ لم يكن قد حقق انتصارا استراتيجيا، بل مجرد نصرا تكتيكيا مؤقتا.

وفي بعض الحالات كان يكتشف مثل هذا المسؤول أو القائد، أن خصمه هو من تراجع وأظهر الانكسار والهزيمة - وربما لاذ بالفرار - ليوقعه هو في كمين استراتيجي محكم، ولذا يقال دوما إن الطريق المفتوح أمامك في الصراعات والحروب، ربما لا يكون هو الطريق الأفضل للمرور أو العبور أو للتقدم، إذ القائد المحنك هو من يقلق من النصر السريع، أو حينما يبدي خصمه انهيارا لا تسنده وقائع ومعطيات الصراع وتوازنات القوة، بل حتى يقال: ادرس أسباب هزيمة خصمك بقدر ما تدرس أسباب انتصارك وأكثر.

ومن يتأمل ما جرى ويجري بين الحكومة الطائفية في بغداد والقيادات العرقية والقومية الكردية المتعصبة في كردستان العراق، يجد أن المعركة الجارية شهدت نمطا ما من تلك الحالة، وفق ملابسات أشد تعقيدا، وهكذا إذا تحقق ما يوصف بنصر سريع وغير متوقع لحكومة بغداد على الإقليم، فقد وجدنا العبادي يتحرك ويصرح وكأنه حقق نصرا استراتيجيا وربما نهائيا، أو أنه يتحرك كمن بات قاب قوسين أو أدنى من انهاء فكرة ومشروع وحلم الأكراد، أو كمن حقق السيطرة النهائية.

تلك الحالة لا تظهر إلا التعجل، وعدم الادراك لطبيعة التوازنات الهشة الحالية التي سهلت ما حدث، وهي تعبر عن ضعف شخصية المسؤول في بغداد وتطلعه لنصر يحوله إلى قائد في أعين الناس، فيما هو ذاهب إلى مأزق استراتيجي كبير وحقيقى، الحادث هو تعبير عن الخلط بين ما هو سياسي آني ولحظي وما هو استراتيجي، وللأسف سيدفع العراق الثمن.

من يتابع تصريحات وتصرفات العبادي، بصدد الأزمة الكردية، ما بعد انسحاب قوات البشمركة من كركوك ومناطق أخرى، يلاحظ أنه يتحدث بلهجة المنتصر القادر على فرض شروطه، وأنه ينتقل إلى موقع تصعيد الشروط على الطرف الآخر يوما بعد يوم، وكأنه حقق انتصارا استراتيجيا أو كأن خصمه وقع في هزيمة صفرية، وهو ما يظهر في الوصول حد الإعلان عن ضرورة تسليم المعابر الحدودية والمطارات في كردستان.

 وفي الإعلان عن تخفيض نصيب كردستان في الميزانية العامة للعراق بنحو (5) في المائة، وهو ما يبدو سعيا لدمج الإقليم والتعامل معه كأحد الوحدات الإدارية مثله مثل أي إقليم آخر داخل العراق، ومن يكمل متابعة المشهد يجد نوري المالكي قد دخل مزاد المزايدة على العبادي، وفي الخلف يجد الحشد الطائفي يتحرك وليقول إنه ذاهب إلى المشاركة في الانتخابات البرلمانية والسيطرة على الحكم، بما يعني فرض أمر أشد عنفا وقوة بالحديد والنار في كردستان العراق وفي عموم العراق.

إن بالإمكان القول أن البارزاني كان واقعا في مأزق استراتيجي، ليس فقط لأنه ذاهب إلى انفاذ مخطط تقسيم ما لا يمكن تقسيمه، ولكن أيضا باعتباره أخذ توجها استراتيجيا وتحرك لفرصة في ظروف تشهد تحولات في التوازنات بما لا يسمح بإنفاذ حركة استراتيجية – التقسيم والانفصال - وفق ما لديه من عوامل القوة.

ويمكن القول بأنه أخطا بالتسرع في المراهنة على تطور حالة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، إذ هو أقدم على خطوة الاستفتاء مراهنا على حالة قيد التفاعل لكنها كانت بحاجة إلى وقت حتى يمكنها أن تلقي بظلالها بقوة على حدث كبير مثل انفصال كردستان.

كما يمكن القول بالمقابل، أنه راهن على استغلال الضغط الأمريكي على تركيا –لمنع التحرك ضده - دون إدراك للتغييرات الحادثة في مجال استقلال السياسة الخارجية التركية عن السياسة الأمريكية وضغوطها، كما يمكن القول بأن البارزاني تعجل حين تحرك قبل الإعلان النهائي عن الاستحواذ على الأراضي من داعش .. الخ.

لكن العبادي يتحرك بالمقابل تحركات صفرية الأهداف فيما الأوضاع على الأرض في حالة توازنات مؤقتة، أو توازنات مرحلية هشة لا يمكن تحميلها مضامين حركة استراتيجية، وهو يتحرك وكأن سيطرة الحشد الطائفي والقوات الحكومية بدعم إيراني على المناطق المتنازع عليها هي سيطرة نهائية، بينما الأوضاع في العراق وفي الإقليم متوجهة إلى حالة تغيير وربما انقلاب لتلك التوازنات الهشة الحالية، إذ يعاد توجيه حركة الأحداث لتستهدف إيران وعملاءها وميلشياتها في الإقليم.

 العبادي ومن خلفه إيران يعيشون حالة نصر خادع حين لا يضعون في اعتبارهم أن أوضاع القوى السنية والقوى الوطنية الرافضة للاحتلال والتقسيم ستشهد في المستقبل القريب وضعية زخم القوة بعد أن أضعف المتعاونون مع الاحتلال بعضهم بعضا وبسبب التطورات الجارية في الإقليم لغير مصلحة إيران.

العبادي لا يدرك أن القيادة الكردية ترتب أوراقها وتعيد تقديم قضية الانفصال تحت عنوان المظلومية التاريخية، وأن كل ما يقوم به الآن من تحركات مبنية على تصور تحقيق الانتصار الاستراتيجي هي تحركات تصب في مصلحة السعي الجاري للتقسيم وليس العكس!.

خاص بموقع الهيئة نت