وعد بلفور ..... بداية النهاية .. عبد القادر النايل

في ذكرى مئوية الوعد المشؤوم الذي أطلقته بريطانيا لتأسيس كيان عنصري قومي لليهود بوعد بلفور الشهير في الثاني من نوفمبر عام ١٩١٧ بعد سقوط الدولة العثمانية وانبثاق استعمار جديد للوطن العربي الواحد وتقاسم للنفوذ بين الفرنسيين والبريطانيين قبيل الاتفاق على مشروع سايكس بيكو لتقسيم الوطن العربي الواحد الى عدة دول ليساهم المشروع في  دق مسمار الفرقة والتشرذم والعزف على القُطرية المحدودة حتى يضمنوا أمن الدويلة المغتصبة لأرض فلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني لإعلان ما يعرف الان دولة اسرائيل التي هي الاخرى رفت شعارها (( من الفرات الى النيل دولة اسرائيل )) وجسدت هذا الشعار بالعلم الذي اتخذته لدولتها؛ وأفضل وصف اطلق على هذا الوعد ( هو منح من لا يملك الى من لا يستحق ) وهذا الوعد هو وصمة عار بوجه بريطانيا والدول التي تدعي بشعاراتها رعاية حقوق الانسان والمساواة وعدم التمييز العنصري بين البشر لأنهم اتفقوا على صناعة وطن على أساس التميز العنصري والديني والقومي وعلى تشريد شعب ظلما وعدوانا .

كان هؤلاء المستعمرون يظنون ان الكبار في فلسطين والوطن العربي سيموتون والأجيال القادمة ستولد وسينسون مما سيجعلهم يتعاملون مع الواقع المفروض عليهم وها نحن بعد ١٠٠ عام وعدالة القضية الفلسطينية تتجذر في نفوس الأجيال اكثر من الإباء والاجداد وتعدت الى ان تأخذ فلسطين حجمها الطبيعي والحقيقي بأنها قضية المليار ونصف المليار من المسلمين وليست محصورة في العرب مع إدراك الجميع ان العرب كشعوب كانت لهم وقفات في معارك استرداد فلسطين والمسجد الأقصى واضحة ولازالت الأجيال تفتخر بها فالجيش العراقي لازالت مفاخر بطولاته تنشدها الأجيال ومقبرته في فلسطين وسوريا والأردن ومصر حاضرة في كل مناسبة، ويتذكر العرب بطولات الأردنيين في معركة الكرامة وكيف مرغوا أنف المحتل اليهودي على ارض الرباط في واقعة شهيرة يعزف العرب بها اعذب الألحان، والجيش المصري أرعب الصهاينة الإسرائيليين في كثير من صولات الحق حتى انتزع سيناء من مخالبهم؛ والشعوب العربية ساهمت بكل شيء فقدمت الشهداء والاموال وجعلت قضية فلسطين قضيتها الأولى وغرست في نفوس الأجيال عبر التعليم والمساجد والاحتفالات المركزية والمناسبات الوطنية حافزا لغرس حب فلسطين وتجذيرها في ضمائر الأجيال جيلا يسلم جيلا؛ لكن التحمل الأكبر والمطاولة في التصدي نيابة عن الامة العربية والإسلامية كانت من نصيب شعب الجبارين الذي لم يأت شعب مثله بالصبر والثبات انه شعب فلسطين الذي أعطى الشهداء تلو الشهداء ولازالت الأمهات يزغردن عندما ياتي اولادهن مضرجين بالدماء في موقف تعلم فيها تلك النسوة معاني الرجولة للذكور الذين لولا خياناتهم وتأمرهم على قضية فلسطين ما صمدت اسرائيل الى الان ولازالوا يدعون للتطبيع معها، نعم انه شعب تعجز الكلمات عن وصفه وهو يحافظ على فلسطين ومقدساتها المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنائسها الذي وقف عمر ابن الخطاب في فتح فلسطين محترما الكنيسة رافضا ان يتم الاستيلاء عليها؛ ولازال مئات الألاف المعتقلين كأسرى في سجون المحتل الصهيوني فلهم كل الاحترام وعرفانا بالجميل نقول لهم بمعناتكم وصبركم لاتزال شعلة فلسطين باقية .

وبعيدا عن السرد لهذا الوعد المشؤوم وددت ان أقف على اربع محطات مهمة في قراءة بعد ١٠٠ عام عليه وهي تحتاج الى دارسة عميقة وانتقال في إدارة الصراع لكنها لمحات في سفر القضية.

المحطة الاولى : فشل وعد بلفور في تحقيق هدفه الاستراتيجي الذي أراد ان يمحو اسم فلسطين من الذاكرة والجغرافية والوجود أرضا وشعبا ومقدسات تمهيدا لهدم المسجد الأقصى وبناء هيكلهم المزعوم ؛ حيث بعد مئة عام تجذر اسم فلسطين في نفوس العرب والمسلمين سيما اجيال الشباب الذين هم عماد التغير والتحرير ، رغم كل ما حدث طوال ال ١٠٠ عام الماضية والتي كان في طليعتها احتلال العراق الداعم الكبير للقضية الفلسطينية ومقاومتها والذي رافق احتلاله التبشير من دول الاستعمار الجديدة القديمة بخارطة شرق أوسط جديد والتي تكسرت هذه الخارطة على صخرة المقاومة العراقية بامتياز لتبقى فلسطين هي القضية المركزية وهي بوصلة الجهاد وصواب المواقف من عدمها رغم جراح الامة والمؤامرات التي تُمارس عليها

 المحطة الثانية: يجب ان تعود فلسطين الى عموم الامة الاسلامية وقرار قضيتها بيد المليار ونصف المليار من المسلمين، لان حصرها بيد العرب فقط قد أضعف تحريرها وآخر نصرها ولان المسجد الأقصى ملك لجميع المسلمين وعلى العرب ان يعوا ذلك جيدا لان اسرائيل يتحالف الجميع معها فليس من المنطقي والعقلانية ان لا نتحالف مع امتنا وتستفيد من هذا البعد العقدي. من إمكانيتها وألا نحرمهم شرف تحريرها، ووعد بلفور يؤكد انه قام على تحالف واسع لتأسيس دولة اليهود القومية والعنصرية

المحطة الثالثة : هذا الوعد اصبح منحة للمسلمين لانه أسس على تجميع اليهود العنصريين في مكان واحد مما سيودي الى هلاكهم على يد المسلمين ليخلصوا العالم من شرورهم والقران الكريم تحدث بذلك صريحا حيث قال تعالى (( "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا )) وقد وعدنا رسولنا محمد صَل الله عليه وسلم بذلك ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله))، وزاد مسلم: ((إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود))؛ متفق عليه.

المحطة الرابعة: ايران وكشف ادعياء تحرير فلسطين فهذه حكمة الله في الفتن وطول المعاناة لكشف الخونة فان النار كلما ازدادت على الذهب زادت نقاوته ورب العالمين يقول (( الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)))

فقد كشفت الأحداث ان النظام الإيراني جاء لتثبيت اسرائيل في فلسطين عبر ممارساتها في نشر الطائفية وتمزيق المجتمعات العربية على أساس مذهبي وصناعة معارك جانبية بين السنة والشيعة لإشغال العرب يفتن داخلية المستفيد الاول منها الكيان الصهيوني بهدف اخراج الشعوب من معادلة التأثير وهنا يجب ان نقف عند الرؤى التي كان يمتلكها القائد المسلم العراقي صلاح الدين الأيوبي عندما رفض ان يذهب الى تحرير فلسطين قبل الانتهاء من الدولة الفاطمية واعتبرها الخنجر الذي سيغرس في ظهر المسلمين ان توجهوا الى تحرير فلسطين