هل أسقط ترامب العراق من "استراتيجية" مواجهة إيران؟ ... طلعت رميح

بعد حقبة امتدت من بدء دعاياته الانتخابية وحتى الأسبوع الماضي – بما يزيد على العام - أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن ما وصف باستراتيجية جديدة لمواجهة إيران.

 تحدث ترامب مطولا عن استراتيجيته ملتزما بأوراق مكتوبة بلا خروج عليها، بما يشير في حالة ترمب خاصة - إذ يشير الخبراء إلى تمتعه بحالة خاصة من الانفلات في التصريحات - إلى التزام صارم ومقيد بالألفاظ والصياغات المعدة له سلفا وتلك واقعة اسثنائية في حالة ترامب.

وفيما كانت الأنظار جميعها، تتجه نحو ما سيفعله ترامب بشأن الاتفاق النووي، وسط ضغط ورفض أوروبي وروسي وصيني - وصل حد التشديد على استمرار العمل بالاتفاق حتى لو انسحبت أمريكا منه - قلب ترامب أولويات خطابه "الاستراتيجي"، إذ تحدث أولا، ومطولا عن الدور والممارسات الإيرانية ضد القوات الأمريكية وفي الإقليم منذ ثورة الخميني، وعن الأوضاع داخل إيران، قبل أن يتناول قضية الاتفاق النووي.

أشار ترامب إلى رهائن السفارة الأمريكية وتحدث عن الهجمات على المارينز في بيروت، فاتهم إيران في الوقوف خلفها، وأكد على دور إيران في عملية الخُبر في السعودية، واتهمها كذلك بدعم اعمال التفجير للسفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، ومتهما إيران بدعم تنظيم القاعدة في تلك التفجيرات وفي أفغانستان، كما تحدث عن دور إيران في دعم النظام السوري في استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين، وعن دعمها منظمات إرهابية حشر فيها حماس زورا وبهتانا.

وهكذا انتقل ترامب للحديث عن الملف النووي، فلم يقرر الانسحاب من الاتفاقية، بل تحدث عن عدم التزام إيران بروح الاتفاق، وعن عدم تصديقه على التزام إيران بهذا الاتفاق، وأكثر من التركيز على أخطاء إدارة أوباما في إدارة ملف الاتفاق – حتى اتهمها بإنقاذ النظام الإيراني ماليا في وقت كان فيه قيد السقوط - معلنا إحالة الأمر إلى عمل مشترك بين الكونجرس وإدارته، وفي ذلك لم يخرج ما طرحه ترامب عن بعض الأسئلة التي أُثيرت وقت توقيع الاتفاق، وأهمها ماذا بعد انتهاء مدة الاتفاق (10 سنوات) وكيف يمكن ضمان عدم تطوير إيران لقدراتها دون رقيب بعد مدة الاتفاق.

كما تحدث ترامب عن دور الحرس الثوري مطولا، وفي الإجراءات، وعلى خلاف ما كان سائدا في بعض التوقعات لم يعلن ترامب عن وضع الحرس الثوري على لائحة الإرهاب، وكذا لم يضع الميلشيات الإيرانية التي تقتل وتهجر وتدمر في الدول العربية على تلك القائمة.

وهو لم يأت بنقيض لما هو جاري حاليا، إذ أن وضع الحرس الثوري على قائمة الإرهاب كان هو الطريق الأقصر والمحدد ونقطة الانطلاق الصلبة، لاتهام النظام الإيراني نفسه بممارسة الارهاب بما يفتح الطريق لاعتبار النظام الإيراني إرهابيا مثل تنظيم الدولة.

وقد أثار ترامب قضية الصواريخ الإيرانية وتطويرها دون حديث محدد عن تحديد مدى لهذه الصواريخ كما حدث من قبل في الحالة العراقية ..الخ.

وهكذا فإن ما ورد في استراتيجية مواجهة إيران يبدو بعيدا عن كل التصورات التي سبقته، ويبدو مجرد عملية مخططة لإعادة تسيير الإعلام والدبلوماسية والسياسية –بدفع من عمليات فرض العقوبات – للضغط على إيران، وإننا أمام عملية تستهدف إعادة ترتيب التحالفات في الإقليم لحشد القوى العربية التي كان الاتفاق النووي قد همش تحالفها مع الولايات المتحدة – وهنا تبدو أهمية وصف الرئيس الأمريكي للخليج، بالخليج العربي، لا الفارسي كما تعود الساسة الأمريكيون والغربيون- وإننا بالإجمال أمام عملية لإعادة طرح قضية البرنامج النووي للوصول إلى ملحقات للاتفاق تحقق تحسينا له من وجهة النظر الأمريكية، وتتضمن محاولة حشد لقوى إقليمية ودولية في هذا الاتجاه.

نحن لم نر "استراتيجية"، إذ الاستراتيجيات تعنى بالبدائل العامة والشاملة، وكلام ترامب بدا حول إجراءات تكتيكية، بما في ذلك ما ورد في خطابه حول الأوضاع الداخلية في إيران، إذ لم يتحدث عن تغيير النظام بل جاء حديثه أقرب إلى لغة منظمات حقوق الانسان، حول الديكتاتورية والاضطهاد.

والرئيس الأمريكي لم يقدم خطة استراتيجية للمواجهة بل تحدث عن قضايا إجرائية بدت في معظمها إجراءات تتعلق بالعلاقة بين الكونجرس والإدارة أو بالإجرائية المالية للعقوبات دون تقديم رؤية شامله أو استراتيجية بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني ... الخ.

غير أن الملاحظة الأهم والكاشفة لحدود التصورات والإجراءات التي تحدث بها ترامب، هو ما ورد بشأن العراق، لم يرد ذكر العراق إلا في جملة واحدة خاطفة جرى فيها اتهام ايران بحماية نظام طائفي في العراق، دون إشارة لأعمال قامت بها المخابرات الإيرانية ضد جنود وأفراد أمريكيين في العراق، ودون تطرق لا للميلشيات الإيرانية في العراق ولا لجرائمها – وبطبيعة الحال هو لم يتحدث عن ضحاياها - ولا لدور وجرائم الحرس الثوري الإيراني ضد الشعب العراقي.

كما لم يجر التطرق لأية إجراءات مضادة لا لهذا الحكم الطائفي ولا للدور الإيراني الطائفي في العراق، وهو لم يشر إلى التدمير الممنهج للعراق مجتمعا واقتصادا، ولم يصف ما جرى في العراق باعتبارها حرب إبادة.

ولعل ذلك أكبر الكواشف عن طبيعة تلك الاستراتيجية، إذ حافظ ترامب على مسافة الالتقاء الاستراتيجي بين أمريكا وإيران في العراق!.

خاص بموقع الهيئة نت