مدينة الموصل بين تداعيات الحرب ومخاوف المستقبل المجهول

الهيئة نت ـ متابعات| تعد قضية مدينة الموصل المنكوبة، وما لحق بأهلها من تشريد وقتل، وما آلت أوضاعها من تفاقم مطرد فاق كل التصورات؛ واحدة من مشاهد الجريمة المنظمة التي تواطأت على ارتكابها القوى العظمى والصغرى العالمية والإقليمية، حتى بلغ الحال بأن توصف بأن ما أصابها من ضرر فاق ما حصل في الحرب العالمية الثانية، بشهادة منظمات مختصة في مجال حقوق الإنسان.

وعن هذه المأساة؛ أفاد المجلس النرويجي للاجئين في أحدث تقرير له نشر مؤخرًا؛ بأن نحو (650) ألف شخص من بين مليون عراقي من أهالي مدينة الموصل والمناطق المجاورة لها أو المحيطة بها؛ ما زالوا نازحين ما بين المخيمات وأماكن الإيواء التي لا تصلح للعيش؛ على الرغم من أن مدينتهم باتت تحت سيطرة القوّات الحكومية منذ ثلاثة أشهر.

وبيّن المجلس ـ وهو منظمة نرويجية تعنى بحقوق الإنسان وتعمل في العراق ـ أن هؤلاء النازحين لا يستطيعون العودة إلى مناطقهم؛ لأن أحياءهم السكنية مدمّرة تمامًا، فضلاً عن أن أكثر من نصفهم يُرجح أنهم فقدوا وثائقهم المدنية الرسمية، مثل شهادات الميلاد والملكيات العقارية، وهو أمر سيجعل إعادة بناء حياتهم أكثر صعوبة، لاسيما مع ممارسات الأجهزة الحكومية والميليشيات التي تستخدم ذريعة (التدقيق الأمني) في منع الناس من الرجوع، أو الزج بهم في المعتقلات.

وتؤكد تقارير ميدانية أنه في غضون تسعة أشهر؛ خلّفت العمليات العسكرية التي طالت مدينة الموصل وضواحيها من قصف جوي وصاروخي ممنهج وعشوائي؛ التي نفذتها القوات الحكومية وقوّات التحالف الدولي؛ دمارًا هائلًا في أحياء المدينة التي أحيلت مبانيها إلى أنقاض ما تزال جثث مئات المدنيين عالقة تحتها حتى اليوم؛ إذ أعلنت مصادر طبيّة في وقت مبكر من شهر تشرين الأول/نوفمبر الجاري؛ أن عدد الجثث التي انتشلت خلال بضعة أسابيع؛ بلغ (2,650) جثة، ولا يُعرف عدد المتبقي منها تحت الأنقاض، ولكن في أقل من ثلاثة أيام مطلع الشهر تم انتشار جثث أربعين مدنيًا في المدينة القديمة بالجانب الأيمن، وستين أخرى في قضاء تلعفر في مشهد لا تقل مصيبته عن الموصل التي أخذ طابع المأساة يطغى على أهاليها مع تواصل عمليات البحث عن جثث ذويهم وأقاربهم.

وفي السياق نفسه؛ تشير مصادر محليّة إلى أن مدينة الموصل باتت مقطعة الأوصال بعد انهيار جسورها بفعل الضربات الجوية التي تعرضت لها، وأصبح تنقل المواطنين فيها مُكلف للغاية سواء في الوقت أو الجهد، علاوة على تنامي بوادر أزمة إنسانية مع اقتراب فصل الشتاء؛ بسبب انعدام الخدمات والنقص الحاد في الوقود ووسائل التدفئة.

وغير بعيد عن مشكلات المدينة؛ فقد أخذت الحكومة الحالية تنفذ سياسة العقوبات الجماعية تجاه الموصليين، بمنعها دخولهم العاصمة بغداد بقصد العلاج بعد تردي الوضع الصحي في مدينتهم، وتضرر أغلب المستشفيات والمباني الصحية من مستوصفات وعيادات، وأفادت في هذا السياق مصادر صحفية وناشطون؛ بأن نقاط التفتيش الحكومية وتلك التي تديرها ميليشيات (الحشد الشعبي) قرب مدينة سامراء على بعد أكثر من (120) كيلومترًا شمال العاصمة؛ توقف المركبات وتدقق في هويات المسافرين، ومن يتبين أنه من أهالي الموصل يتم منعه من مواصلة رحلته صوب بغداد.

وعودًا على بدء؛ تقول مديرة عمليات المجلس النرويجي للاجئين (هايدي ديدريتش): إن معركة الموصل انتهت، ولكن معاناة مئات الآلاف الذين فروا من المدينة مستمرة؛ إذ لا يزال الأشخاص الذين نعمل معهم يفتقرون إلى الأساسيات ولا فكرة لديهم إن كانوا سيتمكنون من العودة على الإطلاق إلى منازلهم، ودعت ـ بسبب ذلك ـ المجتمع الدولي إلى التضامن مع النازحين العراقيين، منوهة بأن حكومة بغداد الحالية أمام مسؤولية كبيرة لضمان بقاء حقوق أولئك المواطنين.

لا يبدو أن المجتمع الدولي مستعد لتقديم شيء إزاء مأساة ومعاناة أهل الموصل خاصة، والنازحين العراقيين بشكل عام، إذ بعد مرور ثلاث سنوات من تفاقم الأوضاع جرّاء المعارك والقصف والتدمير التي استهدف عشرات المدن العراقية، لم تقدم منظمات حقوق الإنسان الدولية سوى تقارير ملآى بالشهادات والوثائق التي تدين الأجهزة الحكومية والميليشيات المصاحبة لها، وتؤكد ارتكابها جرائم حرب صريحة، لكن أي إجراء عملية لمقاضاتها لم يُتخذ، ولم تُقدّم أي خطوات في سبيل انتزاع حقوق الأبرياء الذي دفعوا من أرواحهم ودمائهم ومدنهم ثمنًا لصراعات ليس لهم فيها دخل ولم يكونوا يومًا أحد أطرافها.

الهيئة نت

ج