تقرير قسم حقوق الإنسان: القضاء البريطاني: العدالة لقضية العدوان على العراق "أمر غير وارد"

في 2003، انضمت بريطانيا إلى الولايات المتحدة في غزو العراق الذي أدى إلى الإطاحة بصدام حسين، ونُشر تقرير لجنة التحقيق في حرب العراق برئاسة السير (جون تشيلكوت) العام الماضي بعد طول انتظار لأكثر من سبع سنوات، الذي خلص إلى أن غزو العراق لم يكن حلًا صائبًا للتعامل مع الموقف.

وتناول التقرير تبعات الغزو التي أدت إلى بقاء القوات البريطانية في العراق حتى 2009 إضافة إلى جاهزية القوات لخوض الحرب بالصورة المطلوبة، والكيفية التي أديرت بها ومدى الاستعداد لتداعياتها.

"أنا آسف".. توني بلير يعتذر؛ ولكن!

وعلى الرغم من تقديم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير اعتذاره عن الاخطاء المتصلة بخوض بريطانيا الحرب في 2003 في العراق، وإعلانه أنه يتحمل كامل المسؤولية عن الاخطاء التي ارتكبت في الاستعداد (لهذه الحرب) وتنفيذها، الذي جاء بعد صدور تقرير لجنة التحقيق البريطانية الذي نُشر منتصف 2016، والذي نص على أن قرار غزو العراق لم يكن صائبًا ولم يحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة، مشيرًا إلى أن ذلك القرار بُني على أخطاء عديدة في التقدير، وأكد رئيس لجنة التحقيق السير (جون تشيلكوت) في تقديمه للتقرير أن بريطانيا اختارت غزو العراق قبل استنفاد فرص الخيار السلمي، مصرًا على أن ما تردد عن خطر أسلحة الدمار الشامل العراقية لم يكن مبررًا، وشدد التقرير على أن  تقدير حجم تهديد أسلحة الدمار الشامل العراقية -التي كانت السبب الرئيس المعلن للحرب- جاء دون مبررات مؤكدة. لكن بلير دافع عن الحرب معتبرًا أنها جعلت العالم "أفضل وأكثر أمانًا" بالتأكيد، وأنه تصرف حفاظًا على مصالح بريطانيا العليا، وقال بلير: أعتقد أنني اتخذت القرار السليم، وكنت سأتخذ القرار نفسه لو كنت في الوضع نفسه، نافيًا أن يكون التدخل في العراق قد ساهم في زيادة التهديدات الإرهابية في العالم.

  واعتُبر هذا التقرير ضربة قاسية بالنسبة لبلير، الذي قالت اللجنة أنه وعد العام 2002 الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالوقوف معه "مهما حدث" حتى قبل حرب العراق.

  من جهته، قدم زعيم حزب العمال الحالي (جيريمي كوربن) اعتذار الحزب عن الحرب في العراق في تصريح مقتضب يوم الإعلان عن تقرير لجنة تشيلكوت، وقال كوربن الذي صوّت ضد قرار توني بلير غزو العراق في 2003: أريد اليوم أن اعتذر باسم حزبي عن القرار الكارثي بخوض الحرب في العراق.

إن التحقيق الذي بدأ في 2009، والذي شمل أكثر من (150) شخصية سياسية وعسكرية بريطانية، وكان يفترض أن تُنشر نتائجه خلال عام، تحول بحد ذاته الى قضية مثيرة للجدل بعد إرجائه مرات عدة، ما دفع عائلات الجنود الذين قتلوا في العراق الى توجيه إنذار للسلطات تحت طائلة ملاحقات قضائية، وقرر بعض هؤلاء مقاطعة جلسة عرض التقرير في قاعة للمؤتمرات في لندن فيما تجمّع متظاهرون بدعوة من ائتلاف "أوقفوا الحرب" (ستوب ذة وور)؛ وردد المتظاهرون "لقد كذب بلير، آلاف الأشخاص قد قتلوا"، وقال (مايكل كولفر) المتقاعد البالغ من العمر 78 عامًا لوكالة (فرانس برس): إن توني بلير مجرم حرب، داعيًا إلى تنظيم محاكمات للمسؤولين السياسيين البريطانيين، في حين قالت (سارة أوكونور) وهي شقيقة جندي قتل في 2005 وهي تبكي: يجب أن يعلم الناس أن هناك إرهابيًا في هذا العالم اسمه: توني بلير.

وفي بيان لها؛ رحبت منظمة الشفافية الدولية بالتقرير واعتبرت ان أخطاء العراق يجب ألا تتكرر بتاتا. في حين دعت منظمة العفو الدولية الى أخذ العبر من استنتاجات التقرير وضمان أن التحقيقات الجارية حول الاتهامات بالقتل والتعذيب والانتهاكات والجرائم والفساد وغيرها مجدية ومتينة.

تقرير تشيلكوت أساس للجوء الى القضاء !!

اتهم تقرير (تشيلكوت) بلير الذي ترأس الحكومة بين عامي 1997 و2007 بتضليل الشعب البريطاني بتأكيده وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق، وهو ما لم يتم التثبت منه أبدًا، وقتل عشرات الآلاف من العراقيين في الحرب وخلال أعمال العنف الطائفي التي أعقبت ذلك. حيث شارك نحو (45) ألف جندي بريطاني في الحرب بين عامي 2003 و2009، ولقي ما لا يقل عن (179) منهم حتفهم.

وقبل نشر التقرير قال عدد من النواب، في مقدمتهم النائب (أليكس سالموند) من الحزب الوطني الأسكتلندي: إنهم ينوون اغتنام الفرصة من أجل بدء إجراءات "إقالة" قد تكون نتيجتها المحتملة تجريد بلير من لقب رئيس الوزراء الأسبق. علمًا أن هذه الإجراءات تستند الى قانون قديم استخدم آخر مرة في 1806، ويعتبر هذا القانون ذات طابع رمزي.

وقد تشكل المعدات والتجهيزات غير الكافية لدى القوات البريطانية، نقطة ثانية يمكن أن يعتمد عليها معارضو بلير لمهاجمته. ويتعلق الأمر خصوصًا باستخدام آليات (لاند روفر) مصفحة بشكل خفيف لا يمكنها مقاومة العبوات الناسفة، ويصفها الجنود بأنها "نعوش على عجلات".

وقال محامو عائلات 29 جنديًا قتلوا في العراق إنهم سيدققون في تقرير شيلكوت. وقال مكتب (ماك كيو وشركائه) لوكالة فرانس برس: إن التقرير يمكن أن يشكل أساسًا من أجل اتخاذ إجراءات قانونية ضد بلير ووزرائه أو الحكومة بشكل عام.

وكان التأخير في نشر هذا التقرير يعود أساسًا الى الحق بالإجابة الذي منح إلى جميع الأشخاص الذين تم انتقادهم أو كانوا موضع شكوك. وتعثّر نشر التقرير أيضا بسبب وثائق رفعت عنها السرية، بما فيها محادثات بين بلير وبوش التي سيتم نشر بعضها تباعًا في وقت لاحق.

وكتبت صحيفة (الغارديان) مؤخرًا أنه إذا كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو الحدث السياسي الأهم للبريطانيين منذ الحرب العالمية الثانية؛ فإن اجتياح العراق في 2003 ليس بعيدًا عن ذلك، وأضافت: إن الذين يعيشون في ظل تداعيات حرب العراق يحق لهم القول إن الاجتياح الذي حدث قبل 14 عامًا هو الذي فتح أبواب الجحيم على العالم بأسره وليس على العراق ومنطقة الشرق الأوسط فحسب.

لا يوجد في القوانين ما يُسمى (جرائم العدوان) !!

رفضت المحكمة العليا البريطانية طلبًا بتقديم رئيس الوزراء الأسبق توني بلير لمحاكمة خاصة بسبب دوره في الحرب على العراق. وكان الفريق (عبد الواحد شنان آل رباط)، رئيس الأركان في الجيش العراقي السابق، قد سعى إلى تشكيل هيئة ادعاء خاصة للتحقيق مع بلير، متهمًا إياه بارتكاب "جريمة عدوان" بجر بلاده إلى غزو العراق عام 2003.

وقالت المحكمة منذ البداية إنه "ليس هناك احتمال" أن تنجح هذه القضية ضد بلير لأنه لا يوجد في قوانين انجلترا وويلز أي شيء يتعلق بجريمة تسمى "جريمة عدوان". وكانت محكمة ويستمنستر الابتدائية قد رفضت طلب (آل رباط) العام الماضي.

وكان المسؤول العسكري العراقي السابق، الذي طالب أيضا بمحاكمة وزير الخارجية السابق جاك سترو والمدعي العام السابق لورد جولد سميث، قد سعى لإجراء مراجعة قضائية في محاولة لإقناع المحكمة العليا، وهي أعلى محكمة في المملكة المتحدة، بإلغاء حكم صادر عن مجلس اللوردات عام 2006. ويقول هذا الحكم إنه لا توجد شيء اسمه "جريمة عدوان" في قانون انجلترا وويلز.

وقال المحامي (مايكل مانسفيلد) الذي يمثل (آل رباط) في القضية: إن التقرير أعطى مبررات لمحاكمة بلير. وأضاف: إن التقرير أفاد بأن بلير بالغ في الخطورة التي يمثلها وجود صدام حسين في السلطة على بريطانيا، وأكد التقرير على أن الغزو قد استند إلى "معلومات وتقييمات استخبارية واهنة" لم يتم التثبت منها أبدًا.

وقال مانسفيلد: لا يوجد دليل مؤكد أكثر من تلك العبارات التي جاءت في التقرير. وأضاف: لم يكن ضروريًا أن يذكر التقرير تعبيرات مثل جريمة عدوان أو حرب غير مبررة لإن ذلك كان مفهوًما ضمنًا فيما خلص إليه التقرير.

وكان المدعي العام البريطاني قد تدخل في وقت سابق، داعيًا المحكمة العليا إلى وقف النظر في القضية على أساس أنها "لا أمل فيها". وقال المتحدث باسم المدعي العام ردًا على الحكم: إن القضية تُلقي الضوء على قضايا هامة تتعلق بنطاق القانون الجنائي، وأضاف: يجب أن يكون توصيف أي جرائم جنائية جديدة من اختصاص البرلمان وليس المحاكم، وقد تم تأييد هذا المبدأ منذ أن قرر مجلس اللوردات في 2006 أنه لا وجود لما يسمى (جرائم العدوان) في القانون الإنجليزي، وتابع قائلًا: وفي المجال القضائي؛ فقد دفعنا بالمبدأ ذاته واقتنعت المحكمة بذلك وردت الدعوى.

وقال رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا، الأستاذ (صباح المختار): قد يكون رفض المحكمة العليا في بريطانيا الاستئناف لأسباب قانونية؛ ولكنني أقول إن القضاء يدار من قبل بشر لديهم مشاعر وتحكمهم توجهات وليسوا بالضرورة معصومين عن الخطأ.

وأضاف المختار: تم رفض الدعوى من قبل المحكمة الابتدائية لسببين رئيسين:

الأول: أن لدى توني بلير حصانة قانونية وهذا أمر أرفضه ويرفضه الكثير من زملائي المحامين هنا في بريطانيا.

والثاني: استندت الدعوى إلى (جريمة العدوان) حسب مفهوم القانون الدولي والقانون الإنساني، وكان رأي المحكمة الابتدائية أن القانون الانجليزي لا يعترف بهذه الجريمة ولا يعتبرها جزءًا من القوانين المعمول بها في المملكة المتحدة استنادًا إلى قرار مجلس اللوردات في عام 2006 -في تلك الفترة كان المجلس يقوم مقام محكمة التمييز بالقانون الروماني- والآن باتت تسمى المحكمة العليا.

وهذا الراي لا يتفق بشأنه المحامون فمنهم من يراه خطأ، وعلى هذا الأساس تم استئناف ذلك القرار الأولي ليس موضوعيًا وانما شكليًا، أي أن الاستئناف بُني على أساس أن الابتدائية اخطأت في رد الدعوى وعلى الاستئناف إلزام الابتدائية بالنظر في الدعوى مجددًا.

والاستئناف بُني على أمرين اثنين، وهما كما يلي:

أولًا: محاكم نورمبيرغ التي حاكمت النازيين بقضاة انجليز استندت على (جريمة العدوان) وبالتالي أصبحت هذه الجريمة جزءًا من القانون الإنجليزي بالضرورة.

وثانيًا: الأساس الثاني الذي تم الاعتماد عليه في الاستئناف هو: أن (جريمة العدوان) هي جزء من القانون الدولي، والقانون الانجليزي يعتبر أن القانون الدولي جزء من القانون النافذ في المملكة المتحدة.

 وتابع المختار قائلًا: باعتقادي أن المحكمة تجاوزت النقطتين أعلاه مع العلم أنهما صحيحتان، وارتأت إصدار قرار موافق لقرار المحكمة عام 2006 (في قضية جونز Johns) والذي كان صريحًا بعدم اعتبار جريمة العدوان جزءًا من القانون الإنجليزي؛ الأمر الذي لا يسمح لمحكمة الاستئناف بإصدار حكم مخالف لقرار المحكمة التي كانت تقوم مقام المحكمة العليا، وأضاف: إن قرار المحكمة الابتدائية لم يكن صوابًا؛ لذا كان الأولى رفع الأمر للمحكمة العليا -وهذا ما حدث بالفعل- التي بطبيعة الحال تستطيع تغيير أو تعديل رأي المحكمة الابتدائية وتقرر أن جريمة العدوان جزء من القانون الإنجليزي؛ ولكن هذا لم يحصل كما كان متوقعًا، لأن احتمال صدور هكذا قرار كان ضعيفًا وفقًا لمعطيات وملابسات القضية.

 

 

                  

                                                                                                                                       

                                                                      قسم حقوق الإنسان

                                                                       19/محرّم/1439هـ

                                                                        9/10/2017م

 

قسم حقوق الانسان-هيئة علماء المسلمين

 

www.facebook.com/amsi.humanright

 

https://twitter.com/AmsiHumanRights

 

https://telegram.me/amsiiraq