الأسئلة الحرجة بعد استفتاء كردستان العراق ... طلعت رميح

  • مقالات
  • 440 قراءة
  • 0 تعليق
  • الإثنين 09-10-2017 12:28 مساء

انعقد الاستفتاء وانفتح الطريق نحو الانفصال، فأصبح العراق في وضع استراتيجي جديد مختلف، بقدر ما أصبحت كردستان العراق في وضع استراتيجي خطر، على صعيد علاقاتها بالوطن الأم وبعدما جعلت نفسها موضوعا لصراع استراتيجي خلال سعيها لإقامة علاقات جديدة (مستقلة - مختلفة) مع المحيط الإقليمي والقوى الدولية، ذلك أن عمليات الانفصال وتفكيك الدول لا تحدث تغييرا سياسيا في علاقات طرفي المعادلة الجديدة (العراق وكردستان) فقط، بل تحدث تغييرا استراتيجيا في العلاقات الداخلية بين مكونات كل منها، وعلى صعيد قدرات وأوضاع كل منهما، وعلى صعيد العلاقات والصراعات الدولية.

وفي ذلك يعاد طرح الأسئلة الأولية والبديهية الحرجة إذ تجري عملية معقدة لإعادة تأسيس جديدة على دفتي الصراع المستجد.

لو نجحت العملية الجارية لتفكيك العراق، يصبح العراق في وضع استراتيجي جديد مختلف، فعلى الصعيد الداخلي لا تعود العملية السياسية القائمة ولا الدستور الحالي ولا العلاقات الداخلية الحالية ممكنة البقاء دون تغييرات جذرية، وبمعنى أدق لا تعود التوازنات الداخلية السابقة قائمة – بعد انسحاب الأكراد - فذلك يفتح الطريق واسعا لتغيرات عاصفة وربما فوضوية، وقد يذهب الأمر إلى طرح سؤال الهوية والاحتلال في بُعده الأمريكي والإيراني مجددا.

سيطرح أمر وحدة العراق إلى آفاق أخرى تتعلق بطبيعة العلاقات بين المكونات الباقية في العراق، إذ كيف يمكن الإبقاء على نظام أدى لتقسيم الوطن، وستكون قضية المبعدين السنة إلى كردستان تحت ضغط القتل الطائفي الممنهج للحشد، والعلاقات بين مكونات التمثيل الشيعي بفصائله المأزومة حاليا، أهم القضايا الضاغطة في تلك الترتيبات الجديدة.

وعلى الصعيد الخارجي سيعاد البحث في قضايا كبرى كلية، سواء في علاقات العراق مع العالم العربي أو مع الدول الإقليمية، وبصريح العبارة قد يجد البعض فيما يجري فرصة للبحث في انضمام العراق لمنظومة إقليمية – دولية يجري العمل لإنجازها منذ مدة طويلة، أقطابها روسيا وإيران، وتجري الآن محاولات بعيدة المدى لتكون تركيا أحد أطرافها الفاعلة وهو ما يغير طبيعة الصراعات الجارية في الإقليم على نحو كبير ومهم.

أما كردستان المنفصلة، في حال نجاح مخطط انفصالها، تدخل مرحلة إعادة تأسيس وترتيب العلاقات بين مكوناتها الداخلية (سلما وحربا)، وستعيد البحث في ذاتها بما سيطرح أسئلة بالغة الحساسية، بعضها يتعلق بالقومية وبعضها يتعلق بالإسلامية، وهي في سعيها لمواجهة حصار محيطها ستجد نفسها وقد أصبحت نقطة ارتكاز لتغييرات استراتيجية عدائية مع العراق والإقليم، بقدر ما تصبح نقطة ارتكاز لصراعات القوى الكبرى، وإذ يغير الانفصال وضع العراق الحالي في الإقليم، ستتحول كردستان إلى قاعدة استراتيجية لدول ومحور آخر – خلال محاولة حماية وجودها إذ لا تمكنها قدراتها من العيش مستقلة أو منفصلة عن العراق - وتصبح هدفا للانضمام إلى نظام إقليمي ودولي آخر، يجري العمل على تشكيله الآن أيضا.

 وفي ذلك ستعمل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على جعل كردستان نقطة ارتكاز لتغيير التوازنات الإقليمية حال تحقيق السيطرة الكاملة عليها وترتيب أبنيتها السياسية والثقافية، بما يمكن من تحويلها – مستقبلا - إلى منصة انطلاق لإعادة رسم الخرائط وبناء توازنات جديدة تحافظ على الخرائط الجديدة، وستكون تلك هي أهم معالم الصراع خلال العقد القادم.

وببعض من التفاصيل، يمكن القول بأن الصراع الجاري بعد انجاز الاستفتاء في كردستان، سيمر بثلاث مراحل استراتيجية تقودها الولايات المتحدة (وحلفاؤها وأهمهم هنا اسرائيل) يستغرق انفاذها عدة سنوات، وستجري خطواتها ومراحلها بالتزامن والارتباط مع تغييرات أخرى في الإقليم.

في المرحلة الأولى سيجري استهداف حدوث أعمق حالة من الفوضى والصراع المسيطر عليها والموجهة؛ لإنجاز وتحقيق التفكيك وإعادة ترتيب التوازنات وعلاقات القوى الداخلية في داخل العراق وكردستان، وهو ما سيجري مترافقا مع محاولات للسيطرة على ردود الفعل الإقليمية سواء بتحييدها أو بجعلها تجري في اتجاهات متضادة يفشل بعضها بعضا، وسيكون العنوان الاستراتيجي لتلك المرحلة: تشكيل كيانين متعاديين مضطربين.

وفي المرحلة الثانية سيجري التقدم لجعل كردستان العراق منطقة إشعاع إلى داخل دول الإقليم، وخلالها ستجري المجاهرة بضرورة تشكيل كيان جامع للمكونات الكردية في إيران وتركيا وسوريا والعراق.

هنا سيجري التركيز على الدور الاستراتيجي الإقليمي لكردستان المنفصلة وتحقيق الوجود العسكري الأمريكي والغربي القادر على لجم ردود الفعل الإقليمية لهذا الدور، وهو ما يتطلب جعل إقليم كردستان جاذبا، مع إثارة أكبر قدر من الاضطراب في الدول المستهدفة بالتفكيك.

وفي المرحلة الثالثة سيجري التقدم لإعادة تشكيل الدول الأخرى، مع إحداث تغييرات كبرى في الأوضاع الإقليمية في مناطق أخرى في الشرق الأوسط.

وبتصور تلك المراحل المستهدفة أمريكيا وغربيا – وهم الوجهة الاستراتيجية لكردستان - ستطرح أسئلة حرجة على الأطراف الأخرى الرافضة والمواجهة للتحديات المطروحة عبر كل تلك المراحل.

فالقوى الوطنية العراقية ستوجه السؤال حول الفصل بين الحفاظ على العراق كوطن موحد، وبين استمرار الحكم الطائفي الراهن، وسيطرح على تركيا سؤال حرج مقابل، ليس فقط في العراق بل كذلك في سوريا، إذ كيف ستفصل تركيا بين فكرة بقاء سوريا موحدة وبين بقاء بشار الأسد، كما ستطرح عليها تساؤلات تتعلق بتأثير التقارب مع إيران على صورتها ومشروعها في الإقليم العربي .. الخ، وستوجه روسيا سؤال استراتيجي حرج، إذ كيف ستجمع بين إمساكها بجانب من الورقة الكردية (كما ظهر الأمر خلال الأزمة التركية الروسية) ومحاولتها تطوير تحالفها مع إيران وعلاقاتها مع تركيا.

ستطرح أسئلة حرجة وخطيره، تتطلب إجابات مدققة.

وللحديث بقية.

خاص بموقع الهيئة نت