تفاقم ظاهرة تخلي أطفال النازحين عن الدراسة وزجهم في الاعمال الصعبة

يواجه الاطفال في عدد من محافظات العراق ظروفا مأساوية على الصعيد الاجتماعي والإنساني والتربوي، حيث أجبرت الظروف الصعبة التي يمر بها هذا البلد الجريح، الكثير من الاطفال الذين لم تتجاوز اعمارهم الـ(13) عاما على التخلي عن الدراسة وممارسة اعمال لا تتناسب مع اعمارهم وقابلياتهم الجسدية، فاصبحوا ضحية لانواع الانتهاكات والحرمان في ظل تجاهل حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ عام 2003.

إن مشكلة عمالة الأطفال تعد خطرا كبيرا على المجتمع حيث يتفاقم هذا الخطر كلما توسعت هذه المشكلة، لأن الأمم الحية تسعى إلى استثمار طاقات أفرادها وتأهيلهم ليكونوا فاعلين في بناء مجتمعاتهم، كما ان الفرد بحاجة إلى ان ينشأ في كنف أسرة تساهم في تنمية شخصيته الإنسانية السليمة في اطار المواثيق الدولية التي كفلت حق الطفل وأكدت على حمايته والحيلولة دون تعرضه للإخطار والاضرار الصحية.

لقد تفاقمت في الآونة الاخيرة ظاهرة عمالة الاطفال العراقيين النازحين في مدينة كركوك مركز محافظة التاميم، حيث يلاحظ وجود الكثير من الاطفال في الاسواق المحلية للمدينة، وهم يمارسون مختلف الاعمال التي لا تتناسب مع اعمارهم، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها عائلاتهم التي اضطرت الى النزوح من مناطقها بسبب العمليات العسكرية التي شنتها القوات الحكومية وميليشيات الحشد الطائفي بحجة محاربة (تنظيم الدولة).

وفي هذا السياق، نقلت الانباء الصحفية عن المرصد العراقي لحقوق الانسان قوله في تقرير له: "إن هناك استغلالا وعنفا واضطهادا يُمارس ضد الاطفال الذين أُجبروا على العمل في الأسواق وعلى حمل البضائع ونقلها، بسبب ظروف عائلاتهم المادية الصعبة" .. موضحا ان بيع أكياس النايلون من أبرز الأعمال التي يلجأ إليها الاطفال النازحون في كركوك نظرا لسهولة الحصول عليها وقلة سعرها الذي يُساعد في بيعها بشكل سريع، فيما يمارس اطفال آخرون اعمالا تتطلب جهدا بدنيا لا يتناسب مع اعمارهم.

ونقل المرصد عن الطفل النازح (سعد حمدي) البالغ من العمر 13 عامًا ـ وهو من قضاء (بيجي) بمحافظة صلاح الدين القول: "لقد اضطرت عائلتي للنزوح  الى مدينة كركوك هربا من القصف الجوي والبري والعمليات العسكرية، وأنا أعمل لتوفير المصروف اليومي للعائلة المكونة من سبعة أفراد" .. مشيرا الى انه يعمل في نقل المواد الغذائية وترتيبها ويتقاضى أسبوعيًا (50) ألف دينار حيث يتعرض أحيانًا للإهانة بسماعه كلمات غير لائقة.

بدوره، قال الطفل (فوزي جاسم) وهو  نازح من قضاء (الحويجة) جنوبي كركوك: "لقد نزحت عائلتي الى كركوك قبل ثمانية أشهر وسكنا في أحد المخيمات، وبعد فترة بدأت أعمل في نقل المواد والبضائع داخل المخيم بسبب حاجتنا للمال، مقابل عشرة آلاف دينار يوميا".

اما الطفل (علي نامق) البالغ من العمر 11عاما ـ الذي نزحت  عائلته من مدينة الموصل هربا من القصف الجوي والبري وخشية  التعرض للانتهاكات الصارخة من قبل الميليشيات الطائفية فيقول: "ان عملي شاق جدا، حيث عمل على عربة استأجرتها من أحد المحلات واكسب يوميا (15) الف دينار تقريبا لشراء المواد الغذائية والاحتياجات اليومية للعائلة".

من جانبها، أكدت (جوان حسن عارف) رئيسة لجنة حقوق الإنسان وشؤون المرأة والطفل في ما يسمى مجلس محافظة التاميم، ان الزخم العددي للأسر النازحة وغياب الدعم الحكومي ساهم في تفاقم الأوضاع المعيشية الصعبة، ما دفع نسبة كبيرة من الاطفال النازحين الى العزوف عن الدراسة واللجوء الى العمل في نقل البضائع والمواد التي تتطلب جهداً جسدياً لا يتلائم مع  أعمارهم .. لافتة الانتباه الى ان اللجنة تتلقى الكثير من الشكاوى بشأن الاعتداءات الجسدية والمعنوية التي يتعرض لها الأطفال العاملين في الأسواق من اصحاب المحال التجارية والعناصر الأمنية الحكومية.

الى ذلك، اشارت (سجى كيلان) الناشطة في مجال حقوق الطفل ـ وهي من مدينة كركوك ـ الى ان اسباب تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال النازحين الى محافظة التاميم تكمن في عدم تمكن الاسر من توفير قوتها اليومي ما يضطرها إلى زج أطفالها للعمل في الاسواق .. موضحة ان الاسواق المحلية في كركوك تشهد المئات من الاطفال النازحين الذين يعملون في حمل المواد والبضائع وسحب العربات الثقيلة وسط مضايقات عناصر الشرطة الحكومية وتهكم ضعاف النفوس.

من جهته، طالب المرصد العراقي لحقوق الانسان، الدول الموقعة على إتفاقية حقوق الطفل باتخاذ الاجراءات التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل تنفيذ المادة (32) من الاتفاقية التي صادق عليها العراق في الخامس عشر من حزيران عام 1994 والتي تنص على ضرورة الاعتراف بحق الطفل وحمايته من الاستغلال الاقتصادي ومخاطر العمل، كما طالب المرصد بتحديد أعمار الذين يلتحقون بالعمل، ووضع نظام ملائم لساعات العمل وظروفه، إضافة إلى فرض عقوبات واجراءات مناسبة لضمان تنفيذ المادة المذكورة من الاتفاقية.

الجدير بالذكر ان منظمة الأمم المتحدة للطفولة الـ(يونيسيف)، كانت قد أكدت بأن نحو 10% من أطفال العراق ـ أي ما يقرب من مليون ونصف مليون طفل ـ أجبروا على النزوح منذ بداية عام  2014، بسبب اعمال العنف والعمليات العسكرية التي نفذتها القوات الحكومية في شمال العراق وغربه، وان أكثر من نصف مليون طفل منخرطون في سوق العمل بدلا من الذهاب الى المدارس بسبب تراجع دخل العائلات النازحة .. مشددة على ان نحو اربعة ملايين و (700) ألف طفل عراقي بحاجة للمساعدة الإنسانية الضرورية.

الهيئة نت

م