هل انتهت الحرب "الباردة"؟ ... وليد الزبيدي

اعتقد الكثيرون وما زالوا أن صفحة الحرب "الباردة" قد طويت منذ الإعلان الرسمي لانهيار الاتحاد السوفيتي مطلع العام 1991، وقال حينها المفكر الأميركي فوانسيس فوكوياما، وكانت الحرب متواصلة على العراق – في شباط – فبراير 1991 (لقد انتهى الاتحاد السوفيتي ودمرنا العراق)، ويقصد بذلك أن القرن الحادي والعشرين قد أصبح "قرن أميركا" بامتياز، وبما أن الحرب الباردة ارتبطت منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين حتى تفكك الاتحاد السوفيتي بالمؤسسة الرسمية في موسكو، سواء منها الاستخبارية أو الإعلامية والاقتصادية والسياسية، فإن ذلك يعني انتهاء هذه الحرب وإغلاق صفحاتها.

لكن السؤال الذي يعاد طرحه في الوقت الحالي، يقول، هل ما زالت "قوة" روسيا ضعيفة ومهلهلة، كما كانت عليه في العام 1991 وخلال حقبة التسعينيات؟.

بدون شك، أن الواقع يفرز غير ذلك، فقد تطورت قدرات روسيا بسرعة ولم تعد تلك الدولة المنشغلة برعاية أطرافها والدول التابعة لها، وإذا تراجعت العملية "الأيديولوجية" لموسكو عما كانت عليه سابقا، حتى أصيبت بالوهن والضعف والتشظي حتى الانهيار والتفكك، فإن تقليل القيادة الروسية أو لنقل ترشيد عملها في الجانب الأيديولوجي والتركيز على جوانب أخرى، يقف في مقدمتها الاقتصاد والقوة العسكرية وبالتأكيد العمل الاستخباري، قد أعاد وجه روسيا بقوة إلى المسرح السياسي الدولي، ولكن بوجه وصبغة تختلف عن تلك التي سادت طيلة عقود منذ ثورة العام 1917 حتى الانهيار الكبير للاتحاد السوفيتي.

طالما أن التنافس ما زال قائما بين واشنطن وموسكو فإن هذا يؤكد أن الحرب "الباردة" ما زالت قائمة أو لنقل إنها قد اندلعت من جديد، لكن هذه المرة دون تلويح بشن الحروب بصورة متكررة وبدون تلميح "للحقيبة السوداء" التي يحملها الرئيسان السوفيتي والأميركي باستمرار، تلك الحقيبة التي تسببت بالرعب الدائم للبشرية، إذ يرددون باستمرار أنها تحتوي على أزرار الحرب النووية.

طيلة عقود الحرب الباردة في شوطها الأول بين نهاية أربعينيات القرن العشرين ومطلع العام 1991، حصلت غزوات وحروب استخبارية بين موسكو وواشنطن، وخرجت آلاف القصص المثيرة عن تلك الحروب والتنافس على التجنيد المقابل والتجسس وغير ذلك، لكن لم يصل الأمر إلى درجة تتهم فيها مخابرات الطرف الآخر بالتدخل القوي والمؤثر في انتخابات تجري في الولايات المتحدة أو نشاطات سياسية مهمة في الاتحاد السوفيتي، في حين يتردد منذ أشهر عن دور خطير للمخابرات الروسية في الانتخابات الأميركية التي أوصلت الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، فهل هذه حقبة جديدة من الحرب الباردة في طورها الثاني؟.

أعتقد أن دوافع الحرب الباردة في طورها الأول قد تركزت في تلك العقود على سياسة الاحتواء الأميركية التي أطلقها الرئيس الأميركي ترومان أواخر أربعينيات القرن العشرين، تقابلها سياسة توسيع الرقعة الشيوعية على أوسع نطاق التي تبناها الرئيس السوفيتي ستالين حتى وفاته في العام 1953، أما في الوقت الحاضر فإن الحرب قد أخذت منحاها الجديد، الذي يركز فيه الطرفان على قضية الطاقة ومستقبلها واختراق المرتكزات الرئيسية في المناطق الحيوية والتأسيس لتحالفات جديدة، ولكن هل ستطول الحرب الباردة في طورها الثاني أم تتطور؟ هذا ما يصعب التكهن به.