ولكنكم تستعجلون ... د. حكمت احمد

عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟.

قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها.

قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعّار طيء الذين قد سعّروا البلاد؟!.

 ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز.

 ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولنّ: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضّل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم. قال عدي: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة.

 قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله. وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: يخرج ملء كفه.[رواه البخاري في كتاب المناقب].

 معاني الألفاظ:

- الفاقة: الفقر.

- الحيرة: تقع على بعد ثلاثة أميال من الكوفة، اندثرت ولم يبق لها وجود، وكانت بلد ملوك العرب الذين تحت حكم الفرس.

- الظعينة: المرأة في الهودج.

- دعّار طيء: الدعّار جمع داعر، وهم قطاع الطرق من قبيلة طيء.

- سعّروا البلاد: أي أوقدوا نار الفتنة وملأوا الأرض شراً وفساداً.

- فلا يجد أحداً يقبله منه: لا أحد من الناس يقبل الصدقة لعدم وجود الفقراء والمحتاجين، أو لما يحل بالناس من مصائب ونكبات.

- شق تمرة: نصفها.

أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:

1- هذا الحديث من علامات النبوة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن أمور مغيبة لم تقع في زمنه ووقعت بعده.

2- في الحديث حثّ على الصدقة بالقليل أو الكثير.

3- الصدقة تستر صاحبها من النار.

4- الحديث دليل لمن قال بجواز سفر المرأة إلى الحج دون محرم إذا أمنت الفتنة.

5- الحديث دلالة على رؤية الله - عز وجل - يوم القيامة.

6- إثبات صفة الكلام لله - عز وجل -.

7- في الحديث دلالة على أن منار الإسلام سيرتفع، ويعم أرجاء الأرض.

8- سيكثر المال في الناس حتى لا يجد صاحب المال من يقبل صدقته، إما لكثرة الأموال وتوفرها وعدم وجود الفقراء، وقد حصل هذا في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وإما لما يحل بالناس من المصائب والفتن والنكبات، ويوم يفقد الإنسان أحبابه وأصحابه ومن يأنس بهم ماذا يفعل بالذهب والفضة أم ماذا تغني القصور والعقارات؟ نسأل الله السلامة والعافية.

9- بيان أنه ما من شدة إلا ويعقبها الفرج بإذن الله.

10- الحث على الصبر والثبات، وبيان أن العاقبة للمتقين.

11-  لا تحقر من المعروف شيئاً.

من الدروس المستفادة من الحديث:

الواقع الذي تعيشه الأمة المسلمة، هو واقع المرارة والألم والأسى، قتل وتشريد وبطش بالمسلمين في كثير من البلاد. وسلب للحريات وإهانة واستخفاف بأهل العلم والمكرمات، وتشجيع للرذيلة والدناءة وتوقير للفاجرات، وتحقير ولمز بالعفيفات الطاهرات، وتجريح وطعن بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكرات.

ذوو المروءة والشهامة والشرف يطاردون ويمنعون من دخول بلادهم؛ لأنهم أناس يتطهرون!! واليهود والمفسدون العابثون بكل فضيلة أراذل الخلق للمجالس يتصدرون، والأغرار والصغار والمشاغبون يتطاولون على خيرة رجال الأمة الذين أفنوا أعمارهم في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وهم على ذلك راسخون رسوخ الشم الرواسي.

الصغار والمشاغبون والعابثون بكل فضيلة ينتقصون ويطعنون وينظّرون ويعدّلون ويجرّحون! وكذلك يفعلون.

ولئن شئت لقلت كلاماً وذكرت أموراً تدع الحليم حيران، بل تشيب لها الولدان، ولئن قلت ما قلت عن واقع المسلمين اليوم لصدقت وصدّقت.

ألقى إليّ صاحبي سمعه وأنا أستعرض له حالة المسلمين في هذا الزمان، ثم قال: إنك وصفت الواقع وأصبت كبد الحقيقة.

قالها: بتأوه وتحسر وانكسار، فعرفت أنه قد ضاق صدراً بهذه الأحوال السيئة.

قلت له: يا صاحبي لكني أرى وأبصر من هذا الضيق والمعاناة غير ما تراه وتبصره، وأراك حزيناً مكسور الخاطر!!

فقال: وهل يخرج الإنسان إذا تأمل هذا الواقع السيئ بغير هذا الانطباع؟ هل يخرج بغير الحسرة والأسى؟.

قلت له: اعلم يا صاحبي أنه ما من شدة إلا ويعقبها الرخاء، ولا تأبه بأفعال المشاغبين والغوغاء، وقد ابتلي من قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام، ومن قبلهم أيضاً جميع الأنبياء. غير أن الذي يلزمنا ويلزم الدعاة إلى الله هو الصبر والثبات حتى تهدأ هذه الثائرة وتسكن هذه العجاجة، وما يفعله المشاغبون ليس بجديد، فقد ضرب العرب الأمثال في شأن هؤلاء فقالوا: "أزهى من الذباب" فالذباب يقع على أنوف العلماء ووجوه الكبار وتيجان الملوك، فلا تحزن ولا تيأس، وقد نهى الله - تعالى - عن الحزن وعن اليأس في أكثر من موضع من كتابه الكريم فقال - تعالى -: ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين))، ((ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً))، ((فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون))، ((إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)).

ولتعلم يا صاحبي أن الله - تعالى - قد بين لنا ما يحف بهذا الطريق من الأذى والمكاره والصعوبات، فلابد أن توطن نفسك على الصبر والثبات، ولابد من التمحيص والابتلاء حيث قال - سبحانه -: ((لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)) [آل عمران/186].

وقال - تعالى -: ((وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين)) [آل عمران/140 – 142].

منهج الطغاة:

يا صاحبي إن أسلوب الطغاة الظلمة ومنهج الجائرين من الحكام الذين يبتغونها عوجاً التهديد والوعيد والإهانة والتشريد للعلماء الصالحين والدعاة الصادقين عندما تجد دعوتهم وفكرتهم قبولاً بين الناس فقال - تعالى - في شأنهم: ((وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودّن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)) [إبراهيم/13 - 14].

((أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)). أسلوب الطغاة ومنهج الجائرين من الحكام، مقولة قارون ((إنما أوتيته على علم عندي)). فلا يمكن لأحد أن يقول لهم أخطأتم، ولا يمكن لأحد أن ينصحهم أو يذكرهم بتقوى الله ((وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم)).

إنهم يا صاحبي يتآمرون ويخادعون ويمكرون ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ثم تكون العاقبة للمتقين، هكذا قضى ربّك وقدر وحكم، ولا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه - سبحانه و تعالى - ((قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين)) [النحل/26 - 27].

فلا يغرنك ما يتظاهر به الفجرة من انتفاش وغطرسة، ولا يخدعنك ما يجرون خلفه فإنما هو سراب لا يزدادون بسببه إلا ظمأ ولا يدعون القرى إلا وهي خراب.

ولكنكم تستعجلون:

يا صاحبي قد تضعف النفس أحياناً، وقد يطرأ عليها شيء من السآمة والملل، فهذه مسالك يدخل منها الشيطان ليزلق المؤمن عن المنهج السوي ويلجأ لغير الرحمن. لكن القلوب حين تخالطها بشاشة الإيمان تستعذب كل ما يصيبها في سبيل الله - عز وجل - وقد عجب لهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".[1]

فقد أدخل شيخ الإسلام ابن تيمية سجن القلعة بدمشق وهو في الخامسة والستين من عمره، وما سجن إلا لأنه صدع بكلمة الحق ولم يجامل فيه أحداً ولم يكن مقلداً. ولما أدخل السجن كان يظهر السرور!! وقال: "أنا كنت منتظراً ذلك وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة" ثم قرأ قول الله - تعالى -: ((فضرب بينهم بسور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)).

قال صاحبي: وما المصلحة وما الخير من رضا شيخ الإسلام بالسجن؟!.

قلت: لئلا يقال إن ابن تيمية انتشرت علومه واشتهرت كتبه لأنه كان يمالىء الحكام، ولئلا يبقى مجال للشك أنه كان مجانباً للسلاطين فما أسوأ العلماء على أبواب الحكام.

عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار على رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون".[2]

أمة ظاهرة يدوم ملكها إلى آخر الدهر:

واستمع يا صاحبي لما أسوقه لك من روايات تاريخية وأدلة تشهد على ظهور دين الإسلام والتمكين لطائفة تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام -.

- كان ربيعة بن نصر ملك اليمن فرأى رؤيا هالته وفظع بها، فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا منجماً من أهل مملكته إلا جمعه إليه وطلب منهم تأويلها... فكان فيما أخبره أحدهم بتأويلها أن الحبشة تهبط أرض اليمن وتملكها، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين، والذي يقتلهم ويخرجهم هو إرم بن ذي يزن. ثم سأله: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي من العلي. قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك ابن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. ا.هـ.[3]

- وبعد أن سأل هرقل عظيم الروم أبا سفيان عن صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما أرسل النبي كتاباً لهرقل يدعوه فيه إلا الإسلام قال هرقل في شأنه: "إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين".

- عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمدٍ بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله".[4]

- وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك".[5]

فهذه يا صاحبي حجج واضحة وبراهين لائحة على دوام ملك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وظهورها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثم تأمل في بعض أقوال علماء الغرب وفلاسفتهم:

- قال برناردشو: "لقد تنبأت بأن دين محمد سيكون مقبولاً لدى أوربا غداً، وهو قد بدأ يكون مقبولاً لديها اليوم، لقد عمد رجال الأكليروس في العصور الوسطى إلى تصوير الإسلام بأحلك الألوان وذلك بسبب الجهل أو بسبب التعصب الذميم، والواقع أنهم كانوا يسرفون في كراهية محمد وكراهية دينه ويعدونه خصماً للمسيح. أما أنا فأرى واجباً أن يدعى محمد منقذ الإنسانية، وأعتقد أن رجلاً مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث نجح في حل مشكلاته وأحل في العالم السلام والسعادة، وما أشد حاجة العالم إليهما".[6]

وقال أرنولد توينبي في محاضرة ألقاها سنة 1957 م: "أما في المستقبل البعيد فيمكن التكهن باحتمال قيام الإسلام بالإسهام في أوجه جديدة للدين... صحيح أن هذه الإمكانيات المدمرة للإسلام لا تظهر الآن حتمية الوقوع.. فحركة الوحدة الإسلامية نفسانياً هي الدعوة المثلى التي تسري في عروق المتحمسين أمثال الوهابيين والسنوسيين".[7]

ثم قال: "صحيح أن الوحدة الإسلامية نائمة ولكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ، إذا ثارت البروليتاريا العالمية للعالم المتغرب ضد السيطرة الغربية ونادت بزعامة معادية للغرب فقد يكون لهذا العداء نتائج نفسانية لا حصر لها في إيقاظ الروح النضالية للإسلام... فإذا سبب الوضع الدولي الآن حرباً عنصرية يمكن للإسلام أن يتحرك ليلعب دوره التاريخي مرة أخرى".[8]

مواقف وتطلعات :

قال صاحبي: إنني أعجب من تفكيرك وتطلعاتك، فعندك دائماً آمال عريضة بلغت بك عنان السماء ومتسع الفضاء، حتى صرت تعرف بكثرة التفاؤل وعظمة الرجاء.

قلت له: هذا الأمر - التمكين لعباده الصالحين - لا يخالجني فيه شك، ولا يعترضني فيه ريب، فإنه آتٍ وكل آتٍ قريب، وهذا وعد ربك للذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو وعدٌ غير مكذوب، قال - تعالى -: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)) [النور/55].

هكذا كانت تطلعات ومواقف علماء السلف إلى الأمور وهكذا يجب أن تكون تطلعات ومواقف من كانوا لهم متبعين، وقد كنت أتعجب مثلك عندما كنت أقرأ في بعض كتابات الأستاذ سيد قطب - رحمه الله -قبل بضعة عشر عاماً، فأجده يفرد في بعض كتبه فصلاً بعنوان "المستقبل لهذا الدين"، فكان يتملكني العجب من تطلعات الأستاذ سيد - رحمه الله -ونظرته ذات الآمال الواسعة كيف يقول هذا والشيوعية والاشتراكية والقومية والدعوات الجاهلية تسيطر على الساحة وقبضتها على الأمور مستحكمة والجماهير لها تصفق؟!.

ولكن أين تلك الأفكار اليوم وأين دعاتها؟!

وأين فكرة سيد قطب ودعوته؟! ((ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء))، ((ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار)).

ولا أكتمك يا صاحبي بأنني كنت أشد استغراباً وتعجباً من مواقف وتطلعات بعض شيوخنا: تحدٍ صارخ للأفكار والدعوات الجاهلية من العلمانية والشيوعية والقومية، وتصد لعقائد الباطنية  وردع للظالمين وإنكار للمنكرات، ورفع لعقائد أهل السنة والجماعة بعزة وافتخار، وكنت أرى أنهم من حيث المقاييس الدنيوية ليسوا بشىء، ولكن شاء الله - تعالى - أن يوفقني ويبصرني بالمنهج الحق فعرفت بعدها أن المسألة ليست بالمقاييس المادية البشرية التي قد تصيب وقد تخيب إنها أعظم وأمتن من كل هذه المقاييس إنها تطلعات  ومواقف المؤمنين الواثقين من نصر رب العالمين وعونه، إنها تطلعات ومواقف الناظر بنور الله الذي تغلب إيمانه على هواه.

يا صاحبي إن كنت ممن يقرأون سورة الكهف في كل يوم جمعة ففي هذه السورة أسرار عظيمة، فاستمع إلى قول الله - تعالى - في هذه المحاورة القرآنية بين رجلين أحدهما يعتز بماله ودنياه والآخر عرف أن الملك لله يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا رادّ لما منع ولا مانع لما أعطى وهو على كل شيء قدير. فتدبر هذه الآيات وكن خير الرجلين:

(واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا، كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجرنا خلالهما نهرا، وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً، ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً، قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً، ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقلَّ منك مالاً وولداً فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً، وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً، ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً، هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقباً)) [الكهف: 32 - 43]...

 [1] - صحيح الجامع الصغير للألباني رقم الحديث [3980].

[2] - رواه البخاري في كتاب المناقب رقم الحديث [3612].

[3] - انظر تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون، ص 20.

[4] - رواه البخاري في كتاب المناقب، رقم الحديث: [3618].

[5] - المصدر السابق، رقم الحديث: [3641]

[6] - نقلاً عن كتاب العدالة الاجتماعية لسيد قطب، ص 262.

[7] - الإسلام والغرب والمستقبل ترجمة نبيل صبحي الطويل، ص 68.

[8] - المصدر السابق، ص 73.

.............................................

د. حكمت احمد الحريري

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *