العراق .. وأزمة الخليج الثالثة ... طلعت رميح

  • مقالات
  • 1875 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 04-07-2017 12:49 صباحا

هى الأزمة الثالثة في منطقة الخليج. وهى ان بدت- للبعض-انها ازمة قابلة للحلول القريبة او للتسوية المبسطة، او انها لن تنتج تغييرات استراتيجية هامه او خطره كسابقاتها، فتلك توقعات من تجليات فكر اللحظة لا الفكرة الاستراتيجية التى تبحث فى المكونات الأساسية للحدث وتحولاتها وتطور تأثيراتها مستقبلا، اذ نحن امام حدث جلب يوم وقوعه - وسيجلب من بعد -تغييرات استراتيجية لن تقل اثارها عن ما حدث في الازمتين الاولى والثانية، بل قد تزيد وتصل الى حد الاشتباك الاقليمي والدولي على نحو شديد التعقيد، وبما يعيد تشكيل التحالفات والتوازنات!.

هى أزمة، اخذت مظهر الازمة الداخلية -هذه المره-لوقوعها فى داخل منظومة منطقة الخليج، باعتبارها تجري بين اطراف خليجية، فيما كانت الازمتين الاولى والثانية بين العراق وايران او بين العراق والكويت ومن خلفها دول الخليج ودول عربية والولايات المتحدة..الخ .لكنها لا تجرى فى سياق خليجى داخلى فقط –الا من زاوية المظهر والشكل -بل هى تجرى ارتباطا بالأزمات السابقه – التى كان عنوانها العراق - ولذا هي ذات تاثير حالي ومستقبلي على العراق، بل، قد تكشف الايام كيف انها -ازمة الخليج الراهنة - لم يكن لها ان تجري الا بوقوع الأزمتين الأولى والثانية، وان نتائجها ستكون استكمالا وتطويرا مفزعا لنتائج الازمتين السابقتين.

كانت الازمة الاولى – صاحبة السبق في التسمية - تعبير عن صدام استراتيجى تحددت اطرافه والموقف بينها بشكل اقرب الى الوضوح. كانت مجريات الصراع وتوابعه على صعيد الأمن القومي العربي واضحة ومحددة على الاقل، ولذ كان الاصطفاف العربي (ما عدا سوريا الاسد وليبيا القذافى) واضحا فى توجهاته الداعمة للعراق فى المواجهة مع ايران. وكان الاهم وقتها ان فهم الجميع –ولو متاخرا-ان تلك الحرب ليست الا بداية انطلاق خطط انفاذ وتحقيق المطامع الايرانية فى المنطقة العربية، بما دفع لمواقف توضحت مع الايام. ولعل اخطر نتائج تلك الازمة، ان جرى رسم وتحديد الخط الاستراتيجى الجديد للصراع فى هذا الاقليم على حساب القضية الفلسطينية، اذ اصبح العرب فى مواجهة بوابة خطر استراتيجى ومهدد وجودي اخر، قادم من الجبهة الشرقية ومضاف الى الخطر الوجودي القائم فى الصراع مع الكيان الصهيوني.

وجرت وقائع الازمة الثانية داخل المنظومة العربية –ذاتها - عند بدايتها او حين جرت عملية غزو العراق للكويت، لكنها سرعان ما تحولت الى معركة بين العراق والولايات المتحدة التى قادت الحرب وفق مخطط استراتيجى متعدد المراحل لتحقيق اهدافها هي، التي اتضحت حين ذهابها الى عملية احتلال العراق وفق مخططات لتدميره وتفكيكه بعد عدة سنوات من اندلاع الازمة. وكانت الدلالة الاستراتيجية الاشد بروزا فى دروس هذه الازمة، ان الطرف الثاني في ازمة او حرب الخليج الاولى –ايران-خرج فى نهاية ملخص صراعات وحروب الازمة الثانية محتلا للعراق الذى واجهه في ازمة الخليج الاولى. وذلك امر يتوجب ادراك احتمالات تكراره فى الازمة الثالثة او فى دراسة نتائج الازمات على المستوى الاستراتيجي.

والحاصل الان، بعد اندلاع الازمة الثالثة ،ان تعمقت فورا ،نتائج الأزمتين الاولى والثانية. ففكرة وجود طرف اقليمي مهدد لكيان ووجود دولة عربية (ايران مهدد لكيان ووجود العراق ) بما انتج الحرب فى الازمة الاولى، قد تكررت بين الاطراف العربية فى حالة العراق والكويت خلال الازمة الثانية، ونفس الامر يتكرر الان، اذ تنظر دول خليجية لبعضها البعض كمهدد للاستقرار بل كمهدد وجودي. واذ برزت فكرة وحالة التدخل الاقليمي الدولي خلال ازمتي الخليج الاولى والثانية، فالان، ورغم الحديث المتكرر من الجميع عن دعم حل خليجي-خليجي، بتنا نتابع فصول اطراف اقليمية ودولية الى الفناء الخليجى وهو ما سيعيد توجيه الصراع. وعلى الاقل الان، نجد ان ايران والكيان الصهيونى والولايات المتحدة قد استفادت استراتيجيا، كما استفادت تركيا وفرنسا وروسيا والمانيا تكتيكيا، بدخولهم وتماسهم مع خطوط الازمة، وذلك يهدد بلعب ادوار تحول النزاع الداخلي الى اقليمي ودولي.

لقد دخلت دول الخليج فى دوامة نزاع متطاول ومفتوح على تحولات كبرى فى داخل منظومتها وعلى صعيد اهتماماتها وتحيزاتها الاستراتيجية، وبات كل طرف من اطراف تحيزات ازمتها فى موقع الباحث عن دعم اطراف خارجية له فى مواجهة الطرف الخليجي الاخر، وفى ذلك نكون امام تغييرات وتاثيرات متعددة الاتجاهات على الاقليم كله وعلى قضاياه المتفجرة بابعادها الاقليمية والدولية. واذا كانت القضية الفلسطينية، قد نالتها اول شظايا التقاذف السياسى الخليجي-الخليجي، بالحديث عن المقاومة كإرهاب، فأول التأثيرات المباشرة فى ازمة الخليج الثالثة، تتمثل في تراجع الاهتمام الخليجى بقضية العراق (وسوريا بطبيعة الحال)، وهو اهتمام كان قد بدا بالكاد. وثاني المؤثرات التى ستنعكس سلبا على العراق، ان وحدة الموقف الخليجى التى كانت قد تعمقت من إيران وصار بإمكانها ان تنتج موقفا مواجها لايران على ارض العراق، باتت تفقد زخمها الان، بل انقلب الامر، وصارت إيران في قلب الازمة الخليجية وبين اطرافها!

وعلى كل فالازمة في اول تجلياتها وهي ستشهد تعرجات استراتيجية سيكون لها تاثيرات لن تقل عن تأثيرات الأزمتين الأولى والثانية، خاصة وان أحد التعرجات المحتملة تتعلق بصراع اقليمى كبير بات يطل براسه مع بدء تلك الازمة، سيكون العراق عنوان درجته وشدته.

مقال خاص بموقع الهيئة نت