أمنيات تحت الركام... د.عمر الراوي

لكل إنسان أمنياته التي يرغب في تحقيقها، ويسعى من أجل الوصول إليها، وهي تنمو كلما تقدم في عمره، وهذه طبيعة جُبل عليها جميع الناس.

بيْد أن أمنيات الصغار لها نكهة خاصة تختلف عن غيرها، فغالب الأطفال حينما توجه إليه سؤالا ما الذي تتمناه؟ تراه يجيبك بدون أي تفكر فيقول: أتمنى أن يأتي العيد كي أشتري ملابس جديدة.

أمنية جميلة تخرج من نفوس بريئة لم تعرف إلا الفرح والسرور وحب الخير، لكنها لم تُدرك جيدا ما يدور حولها حيث النفوس الشريرة التي تريد أن تقتلع تلك الفرحة منهم، وتحرمهم من تلك الأمنية التي دائما ما يجدونها في أحلامهم، فغالب الصغار حينما يستيقظون من نومهم يقولون: رأينا أن العيد جاء وقد لبسنا ثيابا جديدة.

واليوم كم من طفل في الموصل الحدباء كان يكرر عبارة (متى يأتي العيد؟)، وها هو العيد على الأبواب، لكن الطفل ذهب مع أمنيته وأصبحا تحت الركام، وهذا هو حال أطفال المسلمين في بلاد كثيرة.

أو ربما يكون قد اشترى ثيابا جديدة وينتظر العيد، ويعد الأيام، وتراه ينظر إليها بين مدة وأخرى، حتى يزيد نفسه فرحا وشوقا لمجيء العيد.

جاء العيد يا بُني لكن المجرمين حالوا بينك وبين تلك اللحظات الجميلة، فثوبك الجديد ذهب معك ودُفنتما سوية تحت الركام، ولم تحقق الأمنية التي زرعتها في نفسك عساك أن تلبس في الجنة خيرا منه، حيث هناك ستجد أمنيتك تتحقق بعيدا عن مكر الظلمة والمجرمين.

وهكذا هو حال كثير من الشباب الذين كانوا على موعد مع العيد من أجل أن يسعدوا برفيقة حياتهم، كي يصلوا إلى الأمنية التي كانت تسكن في نفوسهم وهي تكوين أسرة سعيدة، لكن الطغاة منعوا تحقيق تلك الأمنيات.

هذا هو المشهد الذي تعيشه مدينة الحدباء، وذلك من خلال القصف والمجازر المروعة التي ترتكبها الحكومة ومن والاها من الميليشيات والدول المساندة لها.

هذه المدينة المعطاءة التي خرّجت العلماء والأدباء والضباط، كانت منارة للعلم والثقافة، شامخة كشموخ منارتها.

واليوم تم دفن كل ما فيها تحت الركام، ناسها، حضارتها، من أجل أن يمهد الطغاة الطريق لتحقيق أهدافهم في تغيير ديمغرافية العراق.

ذهبت أمنيات أهل الموصل معهم تحت الركام، كما هو حال أهلنا في سوريا واليمن وفلسطين وبورما، لكنها ستبقى حاضرة في أذهاننا، وتاريخا يُروى للأجيال القادمة يخبرهم عن مدينة كانت منارة للعلم والأدب، سخّر أعداء الإسلام كل طاقاتهم من أجل أن يتخلصوا من أهلها وتاريخها وحضارتها.

لكن الأيادي التي امتدت عليها لن تفلت من عقاب الله تعالى، أيا كان عنوانها أو مسماها، مهما طال الزمان أو بعُد.

 ـ مقال خاص بـ(الهيئة نت).