الاعتكاف ..عبادة وخلوة مع الله ... سعد العثمان

لا شك أنَّ كلَّ إنسان يحتاج – من وقت لآخر – أن يخلو بنفسه، ويبتعد قليلاً عن صخب الحياة وضغوطها القاسية، خاصة إذا كانت تلك الضُّغوط متواصلة، والمشاكل لا تنتهي، والمواقف المؤلمة كالاسطوانة المشروخة، لا تتوقف عن التكرار!.

عندها يحتاج الإنسان إلى الخروج من تلك الدوامة والانفصال المؤقت عن صخب وضجيج تلك الضُّغوط والمشاكل.. وتتضح ضرورة حصوله على فترات انفصال وابتعاد للحصول على السَّكينة والهدوء، حتى يسترخي ويعيد تنظيم عالمه الدَّاخلى، وتفحص وتقييم أفكاره وخبراته والمواقف التي تعرَّض لها... ثم يحدِّد لنفسه خطة عمل، ويتَّخذ القرارات، ويحدِّد لنفسه الخطوات، وبالتَّالي يقوم بشحن طاقاته النفسية وحفزها للانطلاق من جديد لتكملة مشوار الحياة.

وسبيلك الشرعي لذلك، هو الاعتكاف، حيث تنقطع عن الخلق جميعاً، وتتصل بالخالق جلَّ وعلا.

والاعتكاف سنَّة مؤكدة، وهدي نبوي فاضل، التزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، كما حدثتنا بذلك عائشة رضي الله عنها، واعتكف أزواجه من بعده، وأصل ذلك في صحيح مسلم وغيره. كما اعتكف أصحابه معه وبعده، ودرج على ذلك العلماء، والعبَّاد، والزهَّاد، وطلاب الآخرة.

 والاعتكاف المسنون: هو اعتكاف الروح والجسد، إلى جوار الرب الكريم المنان، في خلوة مشروعة، تتخلص النَّفس من أثقال المتاع الفاني، واللَّذة العاجلة، وتبحر الروح في الملكوت الطَّاهر؛ طالبة القرب من الحبيب مالك الملك، ملتمسة لنفحاته المباركات.

 الاعتكاف المسنون: هو الخلوة الصادقة مع الله تفكُّراً في آلائه، ومننه، وفضائله، واعترافاً بربوبيته، وإلهيته، وعظمته، وإقراراً بكل حقوقه، وثناء عليه بكل جميل ومحمود.

الاعتكاف المسنون: هو قيام، وذكر، وقراءة قرآن، وإحياء لساعات الليل بكل طيِّبٍ وصالح، من قول وعمل.

 

وإليك عزيزي المعتكف، بعض الإرشادات والتوجيهات، لعلَّ الله ينفعني وإياك بها:

1- اشحن نفسك قبل الاعتكاف بأيام، استعد له جيداً، استمع إلى أشرطة تزيد في إيمانك وترفع همَّتك، تفقه في أحكامه، اقض كل أعمالك قبله بوقت كافٍ، حتى تحضر إليه، وتدخل للمعتكف وأنت صافي الذِّهن، ليس في خلدك إلا الإقبال على عبادة ربِّك، والخلوة والتَّضرع إلى الله ومناجاته.

 2- قبل أن تدخل الاعتكاف حدِّد هدفك، هناك أهداف عامَّة للمعتكفين كالتفرغ للعبادة، والخلوة وتربية النفس على العبادة، والازدياد من الأجور، وغير ذلك. وهناك أهداف خاصة ينبغي أن تكون في ذهن المعتكف حاضرة من أول رمضان، بل قبل ذلك إن تيسر. ومن ذلك أن يحدد الإنسان ذنوباً يعاني منها، ومبتلى بها، ليتضرع إلى الله في طلب التَّخلص منها، وليضع خطوات عمليَّة في تركها .وكذلك أي يكون للإنسان هدف في المراجعة أو الحفظ أو انجاز عمل معين، على ألا يصرف ذلك عن المقصود الأسمى من الاعتكاف، وهو التَّفرغ والخلوة والتضرع والانكسار بين يدي الله عز وجل.

3- لا تدخل الاعتكاف وتخرج منه ولم يتغير عندك شيء، فإن كنت كذلك فهذا هو الخسران المبين، إذ لا بد من زيادة في الإيمان، وإخبات وحسن خلق وتوبة وإنابة.

4- اهتمَّ بنظر الخالق إليك، ولا تهتم أبداً بنظر الخلق إليك، فلو نظرت إلى الخلق، وجعلتهم في حسبانك تعبت، ولم تستطع إرضائهم أبداً .وإن جعلت نظرك خالصاً للخالق سبحانه، رضي الله عنك، وأرضى عنك النَّاس.

5- كن مخبتاً متخشعاً متذللاً، اهتمَّ بنفسك، وبعبادتك وصلاتك، فحسِّنها وأصلحها، وبعيوبك فعالجها، وانشغل بها عن عيوب النَّاس، ولا تنشغل بعيوب النَّاس عن عيوبك.

6- كل خصلة من خصال الخير تقدر عليها، ولا محذور فيها، ولاينافي الاعتكاف فافعلها، كإحضارك للمساويك من البداية، ليطبق الآخرون السُّنة في السِّواك عن طريقك، جلبك للتمر لتفطَّر الصائمين فيه يومياً، إيقاظك للآخرين، وحرصك عليهم بما لا يشوش عليك وعليهم، طرحك للفوائد العلميَّة أو الإيمانيَّة في أثناء وجبات الطعام، حرصك على الذِّكر آناء الليل وآناء النهار وفي كل وقت، كلمة تقولها لأحد إخوانك ـ لا تطيل فيها ـ ترفع فيها همَّته.

7- اتخذ لنفسك في المسجد مكاناً قصيَّاً، واجعل له مكانة وحرمة عند الآخرين، كيلا يدخلوا عليك في أي وقت؛ فيفسدوا عليك عبادتك وخلوتك بربك.

8- الاعتكاف فرصة للنَّفس للتقلُّل من الطعام، بل هو فرصة للتعوُّد على الزُّهد. ما رأيك لو جعلت لنفسك يوماً أو يومين أو ثلاثة لا تأكل فيها شيئاً مما مسَّته النَّار، بل هما الأسودان، التَّمر والماء؟؟!.

إنَّك لو عزمت على نفسك، وحزمت أمرك؛ لاستطعت ذلك طوال العشر، ولم لا، فقدوتك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم: (كان يمر عليه الهلال تلو الهلال تلو الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، ولا يوقد في أبياته صلى الله عليه وسلم نار، ما طعامكم؟؟. قالت عائشة رضي الله عنها: الأسودان التَّمر والماء (إنَّ في التَّقليل من الطَّعام ترقيقاَ للقلب، وإغزاراً للدَّمعة، ونشاطاً في العبادة، وخفَّةً في النَّوم، ومن جرَّب عرَف.

 عزيزي المعتكف: في نهاية حديثي معك، أحذِّر نفسي وإيَّاك من ثلاث:

1- الرِّياء والسُّمعة:

وكلنا يعلم أنَّ الرياء والسمعة مبطلان للعمل، وهو ضرب من الشِّرك الخفي الذي حذَّر منه نبينا عليه السلام. فكثيراً منا يجاهر باعتكافه بلا مناسبة، وكان حقُّ هذا العمل الصالح الاجتهاد في إخفائه عمن لا يعلم به على الأقل.

 2- الإكثار من لغو الحديث:

فقد يجتمع في المعتكف أشخاص كثيرون، وربما بعضهم يعرف بعضاً، فيجلس بعضهم إلى بعض يتجاذبون أطراف الأحاديث والمناقشات وغيرها يقطعون بها الوقت، وفي ذلك حرمان لكل واحد منهم من الخلوة بالنفس والقرب من الرب والتفرُّغ للعبادة، وكلها مقاصد كبرى للاعتكاف.

 

3- الانشغال بالهاتف الجوال:

وأعجب من الفقرة السابقة، الاتصالات الهاتفية عبر الجوال، حيث يتَّصل المعتكف بكل معارفه وأصدقائه، ويسألهم ويسألونه عن الصغير والكبير والجليل والحقير من الأمور ويتبادلون المزاح، والطُرَف والمُلَح، فأين هؤلاء من قول عائشة -كما في صحيح مسلم- أنها كانت تدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فلا تسأل عنه؛ إلا وهي مارَّة، إذا كانت معتكفة.

وفقني الله وإياك للعلم النافع والعمل الصالح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.