فاستبقوا الخيرات .... د. أيمن العاني

ألا وإن شهركم قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم في العمل؛ هذا قول ابن رجب -رحمه الله- عندما كان يرى أيام الشهر الفقيد وهي تسرع بالارتحال وبدر رمضان صار إلى هلال، ونحن اليوم على ضفاف الليالي العشر الأواخر من رمضان -تبدأ من ليلة الحادي والعشرين منه، وتنتهي بخروج رمضان- بعد أن مضى ثلثا هذا الشهر المعظم؛ ينبغي علينا جميعًا اغتنام ما تبقى من هذه الليالي المباركات، والاستزادة من كل خير والتسابق في العبادات والطاعات ورفع الدعوات وحشد الطاقات في ثنايا أعظم ليالي الدنيا وأكرمها على الإطلاق، التي فيها ليلة القدر -بلغني الله وإياكم خيرها-؛ فلا يسعنا سوى تقديم الجهود واقتناص الفرص، فكما ورد في قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] فإن اختزال هذه المدة في ليلة واحدة أمر يفوق الخيال وعرض خاص لن نجد له مثيل، لا سيما وأن أعدادًا هائلة من الملائكة تنزل إلى الأرض ليشهدوا هذه الليلة وبركاتها، يقدِمون بأنواع العطاء والمنح السخية لسكان الأرض بأمر ربها.

وتأكدوا يا رعاكم الله أن حياتكم ستتغير بصورة غير متوقعة، وستنظرون إلى المستقبل برؤية جديدة؛ إن أدركتم ليلة القدر وعشتم تفاصيلها، فهي ليلة الشرف والقدر والثناء المثالي لمن استطاع الحصول عليه، من خلال الاجتهاد في العبادة، وطلب العفو له ولمن حوله من أهله وبقية الأقارب والأحباب والأصحاب -العفو مبلغ المنى في هذه الليلة العظيمة- وانتاج أقصى ما يمكن من ألوان الدعاء، وبعث أضرع الدعوات، وإرسال ألح النداءات إلى رب الأرض والسماوات كي ينقذ هذه الأمة مما حلَّ بها من كوارث ونكبات جراء مكائد الكائدين المتلبدة سحبًا ماطرة في الجنبات.

‏ولا تنسَوا يا حفِظكم الله الاعتكافَ؛ فقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان، ما لا يجتهد في غيرها، وكان يعتكف فيها ويتحرى ليلة القدر خلالها؛ ففي الصحيحين من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره -البخاري (1920) ومسلم (1174)- وزاد مسلم وجَدَّ وشد مئزره، والاعتكاف هو صندوق الجهد والجهاد؛ فجاهدوا أنفسكم في هذه الأيام المعدودات علَّها تُبعث من جديد تائبة عابدة آيبة، ورددوا الذكر والتسابيح، ورطبوا ألسنتكم بمائها العذب الزلال، واستدعوا قلوبكم لتشهد هذه المكرمات والعطيات.

‏‏وليلة القدر هي ليلة السلام مصداقًا لقوله عزّ وجلّ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥]؛ فسلّموا أنفسكم لله وتحسسوا طرق السلامة، وليلة السلام هي الليلة التي تنذر أرباب الدمار وأصحاب رايات التعطيل، الذين دنسوا أرضنا ومقدساتنا وجعلوا نفوسهم الشريرة مطية للمحتل البغيض، لتنفيذ مخططاته وبرامجه، المتلذذين بمشاهد الخراب والموت وأمارات التمزيق التي حلَّت بالعراق وأصابت أهله الطيبين.

وختامًا؛ فإن العشر الأواخر محطة شاملة يُعاد فيها ترميم القلب وغسله مما ران عليه، وإعمار الروح والارتقاء بها لتسمو، وتفتيب رواسب النفس المتغولة في أرجائها، ومن يغادرها بلا ترميم ولا إعمار قد لا يدرك محطة أخرى في العمر القصير. واعلموا أحبكم الله أن قبول الله للتوبة وغفرانه لكل من تاب وأقلع ظاهراً أو باطناً لا خلاف فيه، فإن الله تعالى لم ‏يسد باب التوبة عن أحد من خلقه، ولو كافرًا تاب من كفره وأسلم أو منافقًا تاب من ‏نفاقه؛ فقد قال سبحانه وتعالى في شأن هؤلاء: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 146]‏، فضلًا عن أن التوبة تأتي على كل ذنب بالغًا ما بلغ، كما في قوله جلَّ في علاه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]‏.

 

ـ مقال خاص بـ (الهيئة نت).