خلط الأوراق في شمال العراق ... طلعت رميح

قالوا إن الوقت بات مناسبا لإطلاق وقائع دورة جديدة من محاولات فصل شمال العراق، وبناء على ما تصوروه، حددوا موعدا لإجراء ما وصف بالاستفتاء على الانفصال، وحين ووجهوا برفض سياسي وشعبي عراقي وبانزعاج وتوجس ورفض إقليمي، وإذ لم يجدوا عطفا رسميا علنيا ومباشرا من الدول الغربية التي حركتهم-وليس الغرب كله منخرط في هذه اللعبة - تحدثوا عن أن الاستفتاء شيء وتفعيل حكاية الانفصال شيء آخر، وهكذا بدأ التراجع عند أول خطوة في الطريق، بما يذكر بتراجع مشابه لما جرى في المحاولة السابقة.

ولفهم الحكاية وفصولها ودوراتها، يبدو ضروريا ضبط المصطلح أولا، إذ نحن لسنا أمام انفصال الأكراد، أو أمام محاولة إقامة دولة لهم – من الأصل – إذ الانفصال أو إعلان الدولة الانفصالية، هو ناتج قرار وليس أصل القرار، وأصل القرار هو تقسيم العراق، الذي هو الهدف الأمريكي المعلن منذ غزو واحتلال العراق، ومن يسعى لفصل جزء من العراق، هو من الأصل يقسم العراق، قبل أن يحقق فصل هذا الإقليم أو ذاك، كما أن فصل الجزء عن الكل، بمثابة طعنة للكل أولا، إذ هو يخصم الجزء من الكل، وهو من الأصل لا يبقي الكل كما كان، وهو كذلك لا يضمن مسيرة الجزء إزاء الكل، بل هو حتى لا يضمن مسيرة الجزء تجاه نفسه، باعتباره يقذف به في بحر الأمواج الإقليمية والدولية.

وفي ضبط المصطلح ثانيا، يجب أن نفهم معنى ومضمون ما قيل عن "مناسبة الظروف للانفصال الآن، فالقول بها هو قول مراوغ، وحقيقته وجوهره هو تقدير بانتهاز فرصة سوء الظروف التي يمر بها العراق والوضع العربي لإعمال سلاح التفكيك، القول بمناسبة الظروف، لا معنى له إلا الارتكاز على ما يمر به الوطن من اضطراب وضعف للذهاب به إلى التفكك تحت هذا العنوان أو ذاك.

لكن في الأمور ما هو أخطر وربما أغرب أيضا!.

فاللعبة لن تجري – كما يتصور أصحابها – ببساطة، ومن الأصل فإن القرارات الكبرى لا تصنع في وضع متحول، يشهد تغييرات لا مدى أو أفق واضح لها، وفي مثل الظروف الراهنة، فأخطر ما سينتج عن خطوة هؤلاء، هو بعثرة الأوراق في داخل الإقليم المراد فصله وفي شمال العراق امتدادا إلى دول الإقليم، وهي خطوة تشق طريقا متعرجا جديدا، يطيل أمد الحروب الجارية ويعمق جراحها ويوسع مداها وآفاقها والقوى المشتبكة فيها، ليظل العراق داخل دوامة القتل والخراب.

واللعبة تجري الآن والعراق واقع تحت ضغوط استراتيجية دوليا وإقليميا تتعاظم أبعاد تداخلاتها وتعقيداتها يوما بعد يوم، وهي تجرى لمنع العراق من الذهاب في طريق إعادة تشكيل العملية السياسية على أسس وطنية، فإذا نفذ وقت ما سمى بالعملية السياسية وباتت تفتقد امكانيات أو احتمالات البقاء، وفيما يتطلع العراقيون لإعادة تأسيس الحالة السياسية على أُسس وطنية، إذا بتلك الخطوة تجري لكي تعيد التشويش وتعيد انتاج الأزمة.

واللعبة تجري في ما شمال العراق المراد فصله، متعرض هو نفسه لعوامل ضغط هائل تتبدى في داخله إلى درجة الاضطراب، بسبب تحيزات أطراف الاستفتاء ذاتها لأطراف إقليمية متصارعة – خاصة إيران وتركيا - وفي ذلك لن يفعل هؤلاء الساعين للانفصال سوى نقل الصراع الإقليمي إلى داخل علاقاتهم الداخلية على نحو حاد وسافر، حتى أن هناك من يرى أننا قد نشهد تنامى التشققات في داخل الإقليم من الآن وحتى الوصول إلى الاستفتاء، ليكون الاستفتاء على تقسيم الإقليم وليس فقط على فصله من جسد العراق.

واللعبة تجري فيما شمال العراق بتعرجات جغرافيته السياسية، في وضعية تداخل مع أزمة عسكرية دولية متصاعدة حول خطوط المرور بين العراق وسوريا، بما يخلط الأوراق بين خطوط الانفصال أو محاولة التقسيم، وخطوط معركة كبرى لا وزن فيها للأطراف الصغرى، إذ القوى المشتبكة فيها ليست متوزعة فقط على طرفي الحدود، بل على امتداد الوضع الإقليمي والدولي، بما يهدد ببعثرة كل أوراق القوى الصغرى، وهناك يتداخل وجود القوات والولاءات والتوجهات والعداوات، خاصة بعدما بات الحشد الطائفي وحزب العمال الكردستاني ومجموعات سورية معادية لنظام الأسد وأخرى موالية له، هناك لأهداف متعادية، وجميعها مرتبطة بتحولات حالية ومستقبلية في المواقف الدولية.

وهكذا، فالأغلب أن هؤلاء ذاهبون إلى أشد المغامرات غرابة، أو هم ذاهبون لتجديد نفس ما حدث لنفس الفكرة خلال الحرب العالمية الأولى، حيث انتهت مثل تلك المحاولة إلى لا شيء على صعيد الجغرافيا السياسية، هؤلاء لا يدركون أبعاد التوازنات الدولية، سواء التشققات في مواقف الدول الغربية أو مدى قوة الأطراف الإقليمية ومن قبل ومن بعد فهؤلاء لا يدركون طبيعة مواقف ومصالح الدول التي تقودها الفكرة البراغماتية لا الولاءات ولا الاتفاقات السابقة، ولا يدركون أن النفط مقدم على جغرافيا الوجود السكاني!.

مقال خاص بموقع الهيئة نت