في الخارج والداخل تتبخر اموال العراق واصابع الاتهام توجه نحو شبح الفساد الغامض

لم يعد موضوع الفساد الذي يضرب اطنابه في العراق ومؤسساته من الموضوعات المسلية والجاذبة للقراءة، لانها اضحت شيء اتفق عليه الجميع كلون السماء الازرق، من الحكومة والمناهضين لها، والمؤسسات المحلية والدولية، الى الموطن البسيط الصابر تحت لهيب الحر، وكأن هذا الداء العضال يستحيل الشفاء منه وقد اضنى وارهق المعالجون.

الفساد ربما عرَض لما هو اكبر منه، واسلوب يتخذ اشكالا متعددة للتغطية على الهدف الرئيس منه، وهو تهريب الاموال وسرقتها، فبينما تصل اموال العراق منذ تولي (نوري المالكي) حقبتيه في رئاسة الوزراء الى نحو ترليون دولار، فأن اي مختص في مجال الاقتصاد سيُغمى عليه، حينما يعرف ان بعد هذه الاموال اصبح العراق يقترض من هنا وهناك، ويدرس ميزانية تقشفية.

وفيما يتعلق بأشكال اختفاء هذه الاموال لفتت الانباء الصحفية الى احدث تصريح لمقرر اللجنة المالية في مجلس النواب الحالي (احمد حمه رشيد) الذي اكد قبل يومين تهريب نحو (312) مليار دولار الى خارج العراق، واختفاء اكثر من (112) مليار دولار منها، موضحا ان لجنتي النزاهة والمالية النيابيتين اجرتا متابعة دقيقة بشأن اختفاء الايرادات الحكومية، وان النتائج حول كيفية صرف الايرادات العراقية لا تزال غير واضحة، اذ صرفت الحكومة العراقية (115) مليار دولار من مجموع الايرادات التي تحصلت عليها العام الماضي، فضلا عن (58) مليار دولار اخرى تم صرفها في القطاع الخاص.

واشار (حمه) الى ان المشكلة الكبرى في العراق تكمن في وجود الفساد الكبير داخل المؤسسات الحكومية التي شملت معظم مفاصلها، وان القسم الاكبر من الاعمال الحكومية لا تسير الا عبر دفع الرشى.

من جهة اخرى، دعا عضو اللجنة المالية النيابية (رحيم الدراجي) اليوم الاربعاء هيئة النزاهة الى التعاون مع وزارة الخزانة الاميركية بشأن اختفاء اموال تعود للعراق، تبلغ قيمتها اكثر من (60) مليار دولار، وقد تم تم التلاعب بتلك الاموال في حقبة الحكومات المتعاقبة، وفي حكم الحاكم المدني (بول بريمر).

واوضح (الدراجي) ان العراق ومنذ عام 2003 حتى عام 2014، كانت اموال مبيعاته من النفط المصدر للخارج تودع في صندوق التنمية (DFI)، وهي محمية بمرسوم جمهوري من الرئيس الاميركي، اذ كان يعد العراق مدينا بأكثر من (100) مليار دولار لدول بدعوى سياسات النظام السابق، ويؤكد المفتش الاميركي ان اموال الصندوق تقدر بأكثر من (60) مليار دولار، ولا نعلم كيف تم صرفها، فالبعض منها صرفت بدون سندات وقسم اخر تم صرفها بوصولات دون معرفة ماهيتها.

وبينما يدق العراق ناقوس الفقر ويبدأ بالاقتراض بسبب افة الفساد، نجد ان هناك مشكلة معقدة قد برزت على السطح وبشكل مُلح، الا وهي المدن المدمرة التي عانت من الحروب والصراعات والقصف الحكومي والدولي، اذ یواجه العراق صعوبات جمة في اعادة اعمار المناطق المستعادة من تنظيم الدولة، وهناك خطة تمتد لمدة عشر سنوات اعلنت عنها وزارة التخطيط  بتكلفة نحو (100) مليار دولار.

وبيّنت الانباء ان الحكومة الحلية ستحاول توفير المبلغ من خلال المنح والقروض الدولية، وما يتم تخصيصه من الموازنة العامة للدولة، الا ان محللين ومراقبين يؤكدون ان العراق يواجه صعوبة بالغة في جمع التمويل لخطة اعادة الاعمار، في ظل تراجع عوائد الصادرات النفطية وشلل النشاط الاقتصادي لسوء الادارة وانتشار الفساد، فضلا عن كلفة الحرب الباهضة، والتي دفعها العراقي من دمه عاجلا، وماله آجلا.

وفي هذا السياق كان البنك الدولي قدم للعراق قرضا بقيمة (1.5) مليار دولار، ليرتفع اجمالي القروض والمساعدات التي قدمها الى (3.4) مليار دولار من مجموع (5.34) مليار دولار مقررة تقديمها الى العراق على شكل قرض بنسبة فائدة تصل الى (1.5) بالمئة.

وليت الفساد قد يقف عند هذه النقطة، الا انه مستمر وممتد ليشمل سجلات النازحين، الذين عانوا لسنوات في حصار، ولأشهر مريرة من القصف والدمار والارهاب الحكومي والدولي، فأضحوا بلا مأوى ولا معيل، بينما تتلقفهم القذائف والصواريخ ،وهم في طريق الفرار من الموت، وتلاحقهم المليشيات قتلا واعتقالا، بتهم باطلة مفضوحة، وبدلا من ان تمتد يد الحكومة لانقاذهم تكشف لجنة الهجرة والمغتربين النيابية عن فقدان نحو (200) مليار دينار من الاموال المخصصة لاغاثة الاسر النازحة.

ويؤكد (ماجد شنكالي) عضو اللجنة ان جميع ملفات الفساد المتعلقة باللجنة السابقة برئاسة نائب رئيس الوزراء المقال (صالح المطلك) لم تـُفعل لغاية الان من قبل هيئة النزاهة، وقد خصصت الحكومة السابقة (1000) مليار دينار، لم تصرف منها الا (861)، ولا يُعرف مصير (200) مليار لغاية الان.

وفي مشهد محيّر، تبرز تساؤلات كثيرة بكل ادوات الاستفهام، كيف سرقوا ومتى ولماذا، وكم سرقوا والى اين يذهبون بها، وما مصير الفقراء والجوعى والمساكين، وربما لن ينتظر السائلون جواب اولي الامر، فهم مشغولون بافتعال ازمات للتغطية على فساد مضى، كما سيأتي بعدهم اخرون بأزمات اكبر للتغطية على ما هو آت.

الهيئة نت

س