"صدمة" في المؤسسات الإعلامية الأميركية ... وليد الزبيدي

بعد أن طالت "الصدمة والترويع" الأميركية الكثير من العراقيين وما زالت تهيمن بقوة على أفكارهم ومشاعرهم، فإن "الصدمة" العراقية قد بدأت أيضا بفعل ضربات المقاومين، ووصلت هذه المرة إلى مؤسسات إعلامية كبرى ، ففي التاسع من مايو 2003، تلقت صحيفة واشنطن جلوب في مقرها الرئيسي داخل الولايات المتحدة خبرا سيئا، عندما اتصل مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) بالصحيفة ليبلغهم خبر مقتل مراسلة الصحيفة اليزابيث نيومز (46) عاما، وتلقت عائلة الصحفية الخبر أيضا.

 وكانت اليزابيث قد أرسلت العديد من التقارير الصحفية، التي تحدثت فيها عن انتشار القوات الأميركية وسيطرتها على المدن العراقية، وبينما كانت في رحلة إلى بغداد قادمة من مدينة تكريت، حيث رافقت القوات الأميركية هناك أثناء عمليات دهم واعتقال نفذتها هذه القوات، لقيت حتفها، وبدون أدنى شك أن المقاومة العراقية التي تضع الصحفيين الذين يرافقون قوات الغزو هدفا مشروعا لهم، وهؤلاء الصحفيون يرافقون القوات الأميركية ويكون نومهم ومأكلهم مع هذه القوات، وتوفر قوات الاحتلال الأميركي الحماية لهم وترافقهم عربات للحراسة وللأمن الشخصي، ولم يتم تحديد المكان الذي لقيت فيه الصحفية من الواشنطن جلوب حتفها، إلا أن البنتاجون، قال إنها لقيت حتفها بين بغداد وتكريت، ولم يتحدث شهود عيان عن هذه الحادثة، ولم أعثر في أدبيات فصائل المقاومة التي صدرت لاحقا وتحدثت عن بعض الهجمات إشارة إلى مقتل الصحفية.

وبثت وكالة رويترز خبرا قصيرا عن مقتل الصحفية ونشرته الصحف الأميركية، وإذا كانت أخبار مقتل الجنود الأميركيين بفعل هجمات المقاومة العراقية، قد أثار الخوف أو على الأقل حالة من الترقب لدى عوائل بقية الجنود، الذين تصوروا أن إعلان الرئيس جورج دبليو بوش عن انتهاء العمليات العسكرية في الأول من مايو، بمثابة رسالة طمأنة لهذه العوائل بعودة أولادهم وبناتهم إلى بيوتهم سالمين، ثم جاءت الأخبار المأساوية بمقتل عدد منهم قبيل ساعات من إعلان الرئيس من على حاملة الطائرات (ابراهام لنكولن)، وبعد ساعات وأيام من ذلك الإعلان.

 أما مقتل الصحفية الأميركية فإنه الخبر الأسوأ بالنسبة لوسائل الإعلام الأميركية، التي جندت عددا هائلا من المراسلين والمصورين لمرافقة القوات الأميركية إبان أيام الغزو في التاسع عشر من آذار/مارس، كما توافد العشرات من الصحفيين والكتاب بعد الاحتلال، لتغطية فصول (الانتصار) الأميركي في العراق، ومن ثم إرسال التقارير والمقالات والصور التلفزيونية، التي تشيد بإنجاز الجيش الأميركي في الحرب، وتعمل على خلق صورة أسطورية لهذا الجيش في مرحلة ما بعد انتهاء العمليات العسكرية وتحقيق الانتصار التاريخي والكبير، الذي أعلنه الرئيس الأميركي والقائد العام للقوات المسلحة.

 وجاء مقتل الصحفية من الواشنطن جلوب المتخصصة في تغطيات الحروب في البوسنة وغيرها، منبها إلى أن هذه الحقبة في تاريخ أميركا، ليست بالصورة الوردية التي حاول أن يرسمها السياسيون في البيت الأبيض والقادة العسكريون في البنتاجون.

 وبدأت قناعات أخرى تنشأ بالتدريج، تختلف عن كل ما تم ترديده وتصويره أمام الرأي العام الأميركي والدولي، ومع تساقط القتلى والجرحى في العراق، بعد إعلان الرئيس الأميركي، اضطرت وسائل الإعلام إلى التنبيه إلى ما تنطوي عليه الأوضاع في العراق من متغيرات محتملة، وهذا ما دفع بوكالات الأنباء وكبريات الصحف إلى اعتماد إحصائية جديدة، لم تكن معتمدة قبل خطاب الرئيس الأميركي، إذ غالبا ما تؤكد وسائل الإعلام على أن أعداد القتلى بين القوات الأميركية قد بلغ عددهم كذا منذ بداية العمليات العسكرية في التاسع عشر من آذار/مارس 2003، وأن عدد القتلى بلغ (كذا) منذ إعلان الرئيس جورج دبليو بوش انتهاء العمليات العسكرية، في تأكيد واضح على أن العمليات العسكرية لم تنتهِ في العراق، وأن ثمة قوة تتزايد وتمتلك الإرادة والإصرار على التصدي للقوات الأميركية والبريطانية وغيرها على أرض الواقع في العراق.