الاستعجال بين الذم والمدح في القرآن الكريم... د. عمر عبد الوهاب الراوي

من المعلوم أن الاستعجال أو العجلة من الأمور التي جُبل عليها البشر، فترى الإنسان إذا أراد شيئا ما تعجّل في طلبه، وتراه حزينا ومحبطا في حال تأخره، وهذا حال أغلب الناس في أمورهم الدنيوية.

والقرآن الكريم استعمل هذه اللفظة في مواضع كثيرة، قال تعالى: (وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا) [الإسراء11]. وقال عز وجل: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) [الأنبياء37]. وقال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) [الرعد6]، وقال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)[الحج47].

من خلال النظر في لفظة الاستعجال في هذه الآيات وغيرها من الآيات الأخرى التي ذكر فيها القرآن الكريم هذه المفردة، نجد أنها تحذر من هذه الصفة، وأنها في الغالب تكون صفة المتهورين، الذين لا يعون حقيقة استعجالهم، ولا يملكون الحكمة التي توقظهم من غفلتهم، وهذا ما بيّنه القرآن الكريم عن حال الكفار حينما كانوا يستعجلون العذاب، حيث إنهم تعجلوا به تكبرا واستهزاءا.

إذن فالاستعجال المذموم هو الصادر من إنسان فاقد للحكمة، ولهذا قال ابن القيم: (لا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول)، لذا ترى قسما من الناس يستعجلون في تصديق ما هو كذب أو العكس، ويتهمون الأبرياء من غير دليل وحجة، وقسم آخر يستعجلون النصر من دون أن يعملوا بأسبابه، وآخرين يتعجلون الموت لضر نزل بهم أو بلاء وقع عليهم، وهكذا تختلف العجلة من أناس لآخرين.

قال أبو حاتم: (العجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزِم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم).

من أجل ذلك ذمَّ القرآن الكريم هذه الصفة؛ لأنها طريق إلى العذاب والهلاك.

وفي الوقت الذي حذّرنا القرآن الكريم من الاستعجال بالصورة التي ذكرناها، فإنه  استخدم هذه اللفظة فيما يكون فيه سعادة الإنسان في الآخرة، سواء بذاتها أو برديفاتها، وهذا ما نصّ عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران133]، وقوله عزَّ مِن قائل: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم)[ الحديد21].

فهذه الآيات تدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم قد حثّ على الاستعجال بالأفعال التي تكون مقربة للعبد من رضا ربه ومغفرته وجنته.

وهذا ما ذكره على لسان موسى عليه السلام حينما قال: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)[طه84].

فما أحوجنا إلى فهم هذه المعاني، وتطبيقها في حياتنا العملية، خصوصا ونحن مقبلون على شهر رمضان المبارك، الذي يحتاج منا أن نتعجل بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى من أجل اكتساب رضاه.

ليكن شعارنا هو الشعار الذي قاله نبي الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، فهذه الأمنية يجب أن تكون مقدمة على ما سواها، فكل منا يتمنى المال والزوجة والذرية، لكنَّ رضا الله تعالى يعلو على كل تلك الأماني.

 

 

ـ مقال خاص بموقع (الهيئة نت).


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *