تقرير: الساحل الأيمن للموصل يشهد أكبر موجات النزوح

تسبّب استمرار النزاع المسلح في محافظة نينوى، ومدينة الموصل تحديدًا؛ بتصاعد وتيرة النزوح القسري بشكل حاد منذ عام 2014، لتصل إلى أعلى مستوى على الإطلاق بعد شن القوات الحكومة وحلفائها الحرب على الموصل في تشرين الأول / أكتوبر 2016م، وتصاعدت معدلات النزوح بعد التاسع عشر من شباط الماضي بالتحديد؛ إذ بدأت ما تسمى (عمليات استعادة السيطرة على الساحل الأيمن من المدينة)؛ الأمر الذي تسبب بمعاناة إنسانية هائلة.

وأمام زيادة زخم الهجمات وتواصل القصف العنيف على الأحياء السكنية في الجانب الغربي من المدينة؛ اضطر أكثر من (450.000) مدني لترك منازلهم والنزوح عن جانب الموصل الغربي هربًا من جحيم الحرب وخوفًا من بطش الأطراف المتحاربة هناك، واعترف وزير الهجرة والمهجرين الحالي، (جاسم محمد الجاف)، بأن عدد النازحين من غربي الموصل تجاوز النصف مليون مدني منذ بدء العمليات العسكرية عليه في شباط الماضي، وأن معدل النزوح اليومي تجاوز في الأيام الأخيرة إلى عشرة آلاف شخص، في حين أعلن المجلس النرويجي للاجئين في 14/5/2017م؛ أنه في يوم الخميس الماضي وصل نحو (20.000) شخص إلى مخيم (حمام العليل) جنوب الموصل، مؤكدًا أن اجتياح القوات الحكومية عددًا من أحياء الساحل الأيمن للموصل؛ تسبب بأكبر موجة نزوح تشهدها المدينة منذ مطلع السنة الحالية.

إن ارتفاع معدل النزوح اليومي بشكل كبير؛ دفع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، لافتتاح مخيم (حسن شام 2)، لاستيعاب آلاف العائلات التي نزحت مؤخرا عن أيمن الموصل، حيث أوضح ممثل المفوضية في العراق، (برونو جيدو)، أن مفوضية اللاجئين وشركاءها مستمرون بإنشاء مخيمات جديدة لتكون مستعدة لاستقبال الأعداد الكبيرة من النازحين من الموصل الذين هم بحالة ماسة للمساعدة. وحسب مصادر صحفية؛ فإن آلاف الأسر نزحت عن الأحياء التي استعادتها القوّات الحكومية مؤخرًا شمال غربي الموصل بسبب الوضع الإنساني المتفاقم هناك. وقد شهدت أحياء (وادي حجر، والغزلاني، والمنصور، والمأمون، والثورة، وجوسق، والدندان، وتل الرمان، والعامل، ونابلس، والرسالة، والشهداء، والعروبة، وموصل الجديدة، والهرمات، وأحياء الموصل القديمة) في الساحل الأيمن من الموصل أكبر موجات نزوح على الإطلاق منذ بدء الحرب على المدينة، بالتزامن مع تقدم القوات الحكومية فيها.

ورافق الحرب على الموصل حصار مرير للمدنيين جعلهم وبحسب نائب مدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، (باتريك هاميلتون)، يواجهون أوضاعًا إنسانية صعبة للغاية مع نفاد الغذاء والماء الصالح للشرب، مبينا أن نحو (450.000) مدني محاصرون في المدينة القديمة بالموصل ولا تصل إليهم أي إمدادات غذائية طوال الأشهر الماضية، بسبب العزل التام للمدينة عن محيطها، والاشتباكات الدائرة في أحياء الجانب الغربي للموصل المكتظة بالسكان.

ويُشار إلى تعمّق أزمة النازحين خلال رحلة النزوح نفسها جراء تدمير الجسور الرئيسية في الموصل من قبل طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وانعدام ممرات آمنة لخروج الأهالي من المدينة، وقال مراسل (الهيئة نت)، في 12 أيار الجاري: إن القوات الحكومية أغلقت جسر المنيرة الرابط بين الموصل وناحيتي (نمرود وحمام العليل)، الذي يعد المنفذ الوحيد لنازحي الساحل الأيمن من الموصل؛ الأمر الذي يزيد من مأساة المدنيين الذين شردهم سعير الحرب، وخاصة الفئات الضعيفة منهم. ومن صعوبات النزوح الأخرى هو القصف المتواصل على الجانب الغربي للموصل، الذي أجبر النازحين من ذلك الجانب على الفرار ونقل عائلاتهم، فضلاً عن جرحاهم وجثث قتلاهم إلى الساحل الأيسر بقوارب خشبية مهجورة منذ زمن؛ بعد أن عجز الجيش الحكومي عن توفير مراكب بخارية لنقلهم إلى الضفة الأخرى لنهر دجلة، ويُزاد على ذلك المخاطر التي تواجه النازحين، الذين يهرب معظمهم سيرًا على الأقدام والذين يتعرضون للضرب والإذلال على أيدي القوات الحكومية، فضلاً عن الاحتجاز التعسفي والتعذيب الوحشي والقتل بدم بارد على أيدي عناصر تلك القوات، يُزاد على ذلك ما تعانيه العائلات النازحة من شتات وقلق بسبب عمليات الفرز بين أفراد العائلة الواحدة واحتجاز الرجال والشبان وحتى الصبيان لأشهر، بحجة إجراء التدقيق الأمني.

((بلغ عدد الجرحى والمصابين في مدينة الموصل جراء الحرب نحو (25.000) شخص، معظمهم أطفال ونساء))

لقد تسببت النزاعات المسلحة الدائرة في العراق والحصار الخانق الذي يُفرض على المدن والبلدات المستهدفة؛ بتشريد ملايين المواطنين من مناطق القتال، دون أن يكون هناك هدف واضح للحكومة الحالية في بغداد تسعى إلى تحقيقه سوى تدمير المدن بالكامل، وتحويل البنى التحتية فيها إلى أثر بعد عين، وترحيل السكان قسريًا وإبعادهم عن مناطقهم، ومنعهم من العودة إليها، ضمن مخطط لإحداث تغييرات ديموغرافية في تلك المناطق للإجهاز على ثقل (المكون العربي السُني) في العراق؛ بحجة محاربة الإرهاب، حيث يتم إلصاق التهم بالمدنيين الآمنين ويجري اعتقالهم أو خطفهم وإخضاعهم لشتى أساليب التعذيب الوحشي، ومن ثم المساومة عليهم أو قتلهم ورميهم في قوارع الطرقات أو في أي مكان آخر أو دفنهم أحياء حتى؛ وكل هذه الانتهاكات والجرائم تجري بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية باتت واضحة للجميع.


قسم حقوق الإنسان
22 شعبان / 1438هـ
18/5/2017م