التجارة الناجحة وسائلها وثمارها ... د. عمر عبد الوهاب الراوي

من طباع الإنسان في الدنيا أنه لن يقدم على تجارة حتى يدرسها جيدا، ويحسب هل أنها تعود إليه بالنفع والربح أم بالضرر والخسارة.

ومن المعلوم أنه إذا أُطلق لفظ التجارة ذهب العقل إلى الميدان الذي يتبادل فيه الناس بضائعهم، بيْد أن القرآن الكريم أعطى للتجارة مفهوما أوسع مما عليه عقول البشر، وامتدحها وبيَن أنها التجارة المحفوظة من الكساد والخسارة، ووضّح الطرق الموصلة إليها.

إنها التجارة مع الله عز وجل، التي لن يحقق طالبها إلا الربح والفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ)[فاطر29].

وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الصف 10-11].

حينما نتمعن بالآيتين نجد أن وسائل هذه التجارة الرابحة غير مكلفة، وباستطاعة كل إنسان أن يقوم بها، وأن ثمارها كبيرة ومكاسبها عظيمة، حيث إنها تعود على صاحبها بالمنافع التي ذكرها القرآن الكريم:

  1.    (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا).
  2.    (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينهم حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
  3.    (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

هذه هي الثمار التي ذكرها القرآن الكريم للتجارة مع الله تعالى، لذا نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم قد ترسخت في أذهانهم هذه التجارة العظيمة، وتيقنوا أنها الطريق إلى النجاة والفلاح برضوان الله تعالى، لذا تجدهم يسلكون كل طريق يوصل إليها، فحينما أصاب الناسَ قحط على عهد أبي بكر الصديق اجتمع الناس إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السماء والأرض لم تنبت والناس في شدة شديدة، فقال أبو بكر: انصرفوا واصبروا فإنكم لا تمسون حتى يفرج الله الكريم عنكم. قال: فما لبثنا أن جاء أجراء عثمان من الشام، فجاءته مائة راحلة بُرًّا- أو قال طعامًا- فاجتمع الناس إلى باب عثمان فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم عثمان في ملأ من الناس فقال: ما تشاءون؟ قالوا: الزمان قد قحط، السماء لا تمطر، والأرض لا تنبت، والناس في شدة شديدة، وقد بلغنا أن عندك طعامًا، فبعنا حتى نوسع على فقراء المسلمين. فقال عثمان: حبًّا وكرامة، ادخلوا فاشتروا. فدخل التجار فإذا الطعام موضوع في دار عثمان، فقال: يا معشر التجار، كم تربحونني على شراء من الشام؟ قالوا: للعشرة اثنا عشرة. قال عثمان: قد زادوني. قالوا: للعشرة خمسة عشرة. قال عثمان: قد زادوني. قال التجار: يا أبا عمرو، ما بقي بالمدينة تجار غيرنا فمن زادك؟ قال: زادني الله تبارك وتعالى بكل درهم عشرة، أعندكم زيادة؟ قالوا: اللهم لا. قال: فإني أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقة على فقراء المسلمين.

 قال ابن عباس: فرأيت من ليلتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو على برذون أبلق عليه حلة من نور، في رجليه نعلان من نور، وبيده قصبة من نور، وهو مستعجل، فقلت: يا رسول الله، قد اشتد شوقي إليك، وإلى كلامك، فأين تبادر؟ قال: يا ابن عباس، إن عثمان قد تصدق بصدقة، وإن الله قد قبلها منه، وزوجه عروسًا في الجنة، وقد دعينا إلى عرسه.

فلنتأمل عِظم هذه التجارة وقدرها، ولنعلم أن وسائلها يسيرة، وأنها الطريق المؤدي إلى رضوان الله ونعيمه ورحمته.

فلنسارع في الدخول إليها، والعمل بوسائلها، كي نكسب الثمرة التي وعدنا الله تعالى بها في قوله: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِوَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران132-133]. 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *