تقرير: (تدمير البنى التحتية في العراق جريمة ضد الإنسانية) – الجزء الثاني

تقرير: (تدمير البنى التحتية في العراق جريمة ضد الإنسانية) – الجزء الثاني
 تدمير قطاعي الكهرباء والتعليم وآثار ذلك على الصحة والبيئة


مما لا شك فيه؛ أن الخسائر البشرية جراء غزو العراق واحتلاله كانت كبيرة جدا، حيث أمطرت القوات الأمريكية والبريطانية البلاد خلال شهر واحد بنحو (30000) قنبلة وصاروخ مختلفة الأنواع والأحجام، كانت نسبة عالية من الأسلحة غير دقيقة، فضلا عن اعتماد الولايات المتحدة منهجية استهداف خاطئة جعلت من الأسلحة الدقيقة أسلحة عشوائية، ناهيك عن عدم وجود خطط لتقييم المخاطر التي تواجه المدنيين سواء قبل الهجمات التي تشنها تلك القوات أو بعدها؛ الأمر الذي يعكس عدم الالتزام بقواعد الاشتباك وقواعد التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية.

وأدت كثرة استخدام القنابل العنقودية التي ألقاها جيش الاحتلال الأمريكي ضد أهداف في المناطق المأهولة بالسكان أو بالقرب منها، إلى تزايد أعداد القتلى المدنيين. وكما هو معلوم، فإن الذخائر العنقودية التي اُسقطت من الجو كانت سببا رئيسيا في وقوع إصابات بين المدنيين، في حين تسببت الأسلحة العنقودية التي تم إطلاقها من الأرض في وقوع أعداد أكبر من الضحايا المدنيين.

لم تتخذ قوات الاحتلال أي إجراءات لحماية المدنيين أثناء الحرب الجوية، فضلاً عن زيادة وتيرة مهاجمة الأهداف التي تقع في المناطق المأهولة بالسكان، التي شملت المرافق المدنية مثل المدارس والمستشفيات، وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بعدم اتخاذ الإجراءات الضرورية لتوفير الحماية اللازمة للمدنيين خلال غزو العراق.

وإلى جانب وقوع خسائر بشرية، تسبب الاستخدام الواسع للقنابل والصواريخ في تدمير المرافق الكهربائية وغيرها من المرافق الخدمية الأخرى، ناهيك عن الأضرار الصحية والبيئية طويلة الأمد الناتجة عن استخدام اليورانيوم المنضب من قبل جيش الاحتلال الأمريكي في العراق.

أغنى البلدان النفطية يعاني أزمة في الطاقة

دخلت الطاقة الكهربائية إلى العراق قبل مائة عام، واستمر ارتفاع انتاج الكهرباء في العراق حتى أصبح يحقق إنتاجا فعليا يزيد على عشرة آلاف ميغاواط في عام 1989، لخدمة سكان البلاد، الذين كان عددهم في ذلك الوقت (22) مليون نسمة؛ ولكن حتى الآن، لم يتمكن العراق من تحقيق الإنتاج الذي كان يحققه في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. علما أن عدد السكان الآن تجاوز (36) مليون نسمة.

وفي أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ومن خلال الهجمات الصاروخية المتعددة، والعقوبات الاقتصادية، ثم الاحتلال، دمرت القوات الأمريكية بشكل منتظم ومتعمد شبكة إنتاج الطاقة الكهربائية. بعد غزو العراق واحتلاله في عام 2003، وانخفضت الطاقة الإنتاجية من الطاقة الكهربائية إلى (3300) ميغاواط فقط، والتي كانت أقل بكثير في ظل المتطلبات الوطنية.

ففي عام 2009، أي بعد ست سنوات من الاحتلال، بلغ عدد سكان العراق حوالي (30) مليون نسمة، وكان الطلب في ذروته آنذاك يتراوح بين (6800 - 7500) ميغاواط، ولم تتوفر سوى (3300) ميغاواط من الكهرباء. بعبارة أخرى، السكان في العراق ما بعد الغزو يحصلون على 30٪ فقط من إنتاج الكهرباء الذي كان قبل الاحتلال.

التدمير الممنهج لنظام توليد الطاقة الكهربائية في العراق

كان (بارتون جلمان)، وهو صحفي وكاتب أمريكي وكبير مستشاري مؤسسة القرن، والحائز على جائزة (بيوليتزر) للصحافة والآداب ثلاث مرات، قد كتب في صحيفة (واشنطن بوست)، بتأريخ 23/1/1991، ((في الحرب على العراق عام 1991، تم تحديد (700) هدف، وتم قصفها جميعا، ومن بين الأهداف كانت (28) عقدة رئيسية لتوليد الطاقة الكهربائية. حيث نفذ طيران الحلفاء (215) ضربة جوية ضد محطات كهربائية، وذلك باستخدام القنابل غير الموجهة، والقنابل الموجهة بالليزر. وبعد الأسبوع الأول من الحرب الجوية، توقفت الشبكة الكهربائية في العراق بشكل كامل.))
وأكد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نُشر في ذلك الحين، أن حوالي 700٪ من قدرة العراق على توليد الطاقة الكهربائية قد تضررت أو دُمّرت بالكامل خلال حرب عام 1991. فضلا عن الأضرار التي لحقت بجميع محطات توزيع الطاقة الرئيسية، ناهيك عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بوحدات المحركات الغازية بنسبة قاربت 80٪.

وكتب (جلمان) أيضا ((علينا أن نؤكد هنا أن التخطيط لحرب العراق كان مسبقا؛ إذ بدأ التخطيط لهذه الحرب حتى قبل أن يغزو العراق الكويت في 2 آب 1990م)).

وذهب (جلمان) إلى القول: ((وهذا كله يشير إلى أن الهدف الرئيس للحرب لم يكن تحرير الكويت؛ بل كان التدمير الكامل للبنى التحتية المدنية للعراق. وبسبب الآثار المشتركة للعقوبات الاقتصادية الشاملة وتردي نظام الرعاية الصحية، يبدو أنه كان هناك جريمة إبادة بحق السكان في العراق وتفريغ البلد منهم جرى التخطيط لها وتنفيذها)).

ومع ذلك، تم إصلاح محطات توليد الكهرباء المدمرة ومصافي النفط جزئيا خلال حملة إعادة إعمار العراق في المدة ما بين 1991-1993. وعلى الرغم من عدم توفر قطع الغيار المطلوبة بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق، فقد تم إصلاح حوالي (5300) ميجاواط من الطاقة المولدة.


وفي عام 2003، قامت قوات الاحتلال الأمريكي بإعادة استهداف منشآت توزيع الطاقة الكهربائية، وتم تنفيذ هجمات على محطات التوزيع باستخدام قنابل من ألياف الكربون. وانقطعت الطاقة الكهربائية بعد ثلاثين يوما من الضربات الأمريكية التي استهدفت مرافق منشأة الناصرية لنقل الطاقة الكهربائية. وبعد كل هذا التدمير،

انخفضت قدرة توليد الطاقة الكهربائية في العراق إلى 20٪ فقط من طاقتها الأصلية.
ومنذ احتلال العراق، أصبحت انقطاعات الكهرباء لمدة (200) ساعة باليوم حقيقة من حقائق الحياة، فضلا عن الأعطال الكبيرة التي لحقت بأنظمة تنقية المياه، والرعاية الصحية، والصرف الصحي، والخدمات الأخرى ذات الصلة في العراق، جراء النقص الحاد في انتاج الطاقة الكهربائية الضرورية.

إن نقص الكهرباء في بلد تصل درجة حرارة الصيف فيه إلى ما يقرب من (60) درجة مئوية يُعدّ ضربا من ضروب التعذيب بكل ما تعنيه الكلمة، ومع ازدياد ساعات قطع الكهرباء من الشبكة الوطنية، يعتمد كل منزل على مولدات الكهرباء المنزلية، التي يمكن أن توفر طاقة كهربائية بمعدل (8) ساعات يوميا، وغالبا أقل من ذلك بكثير، حسب حجم ونوع وقدرة التوليد لكل مولدة.

الآثار البيئية والصحية لأزمة الكهرباء في العراق

انتشار وباء الكوليرا في العراق بسبب شح المياه الصالحة للشرب واضطرار الأهالي لاستخدام المياه الملوثة :لجنة متخصصة في أمانة بغداد

وفقا لعدد سكان العراق في عام 2016، يبلغ العدد المتوقع للأسر نحو (5.5) مليون أسرة. وتبعًا لهذا العدد نفترض أن العدد التقريبي للمولدات المنزلية الصغيرة والمتوسطة في المدن الكبرى يبلغ (3.5) مليون مولدة كهرباء، وأن هناك أربعمائة ألف مولدة إضافية للمراكز التجارية والمطاعم ومراكز الشرطة والدوائر الحكومية والمستشفيات ودوائر البلديات، يُزاد عليها ثلاثمائة ألف مولدة كبيرة لمولدات شبكة الشوارع؛ عندها يبلغ إجمالي عدد المولدات الكهربائية في العراق حوالي (4.2) مليون مولدة.

وأدت أزمات إمدادات الطاقة الكهربائية إلى مشاكل بيئية وصحية هائلة. وترتبط بعض هذه المشاكل باستعمال مئات الآلاف من مولدات الكهرباء المنزلية التي تستهلك الوقود الأحفوري (زيت الغاز والبنزين والكيروسين، وغيرها). وأبرز هذه المشاكل تتمثل فيما يلي:
1- انبعاث ما يُقدّر بحوالي (111) مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون في السنة إلى الغلاف الجوي؛ الأمر الذي يزيد في معدل الاحترار العالمي. 
22- ارتفاع معدلات انبعاث الهيدروكربونات نتيجة للوقود غير المحترق أو المحترق جزئيا من المولدات. والهيدروكربونات تتضمن العديد من المركبات السامة. والاستمرار في التعرض لهذه المواد السامة يسبب السرطان والآثار الصحية الضارة الأخرى. 
33- إن تفاعل أبخرة الهيدروكربونات المنبعثة من المولدات في المناطق السكنية مع أكاسيد النيتروجين في الجو مع وجود أشعة الشمس الحارقة سوف يشكل الأوزون. وبوجود الأوزون في الغلاف الجوي السفلي سيتشكل الضباب الدخاني الضوئي، الذي يسبب مشاكل صحية كبيرة، منها: أمراض الجهاز التنفسي، وتواصل إفراز الدمع من العينين. ومشاكل في القلب والأوعية الدموية إذا تعرضت بشكل مستمر للأوزون. وتعزى الزيادة في معدل حالات السرطان في العراق جزئيا إلى هذه الملوثات السامة.
44- مخاطر الضوضاء، وحيث معظم هذه المولدات تعمل معًا في المناطق السكنية. ويصل تداخل الضوضاء الصادرة عنها إلى أعلى من المستوى المقبول؛ ليشكل اضطرابات الضوضاء وهي مضرة جدًا بنشاط الإنسان أو بتوازن الحياة البشرية.

ناهيك عن الآثار الصحية الأخرى، مثل: المشقة المستمرة، وعدم الراحة والمشاكل النفسية المتعلقة بعدم كفاءة العرض الكهربائي، والمعاناة في الحصول على الوقود من الأسواق السوداء في بلد ينعدم فيه الأمن، والمدن مقطعة إلى مناطق معزولة بجدران خرسانية ضخمة مع مئات نقاط التفتيش الحكومية. وقد تستغرق الرحلة إلى محطة التزود بالوقود ساعات بسبب الزحام، مع احتمال التعرض للقتل أو الإصابة في انفجار سيارة مفخخة أو عبوة ناسفة مزروعة جانب الطريق، فضلاً عن المشاكل المالية حيث تنفق كل أسرة شهريا ما بين (200 - 500) دولار أمريكي على الإمدادات الكهربائية الخاصة.

ومن دون إمدادات كهربائية وطنية مستمرة لا تعمل أنظمة التبريد، أو تعمل بشكل غير صحيح، ونتيجة لذلك، أصبح التسمم الغذائي مرضًا شائعًا بين سكان العراق، حيث يرتفع معدل وفيات الأطفال.

ويُزاد على ذلك تعثر أو تعطيل عمل المستشفيات وسيارات الإسعاف؛ فمن دون استمرار إمدادات الكهرباء بشكل ثابت، لا يمكن للمستشفيات أن تعمل، والأدوية ستفسد، ولا يمكن تنقية المياه، ناهيك عن مشاكل الصرف الصحي التي لا يمكن معالجتها في ظل انقطاع الطاقة الكهربائية.

وبسبب استمرار تدهور معايير الحياة بشكل عام؛ احتلت بغداد مرتبة أسوأ مدينة لعام 2016، وفقا لمسح تقييمي تجريه (مؤسسة ميرسر) سنويًا لتحديد أفضل المدن من حيث جودة الحياة فيها، شمل العام الماضي أكثر من (360) مدينة في جميع أنحاء العالم.

ولا يسعنا في هذا التقرير تناول المشاكل الاقتصادية الكبيرة والمعقدة المتعلقة بأنظمة تحويل مياه الرّي والصرف الصناعي، حيث تحولت ملايين الأفدنة الزراعية إلى مناطق صحراوية، فضلا عن تعطل 90% من المصانع والمعامل المتوسطة والكبيرة البالغ عددها حوالي (40.000) مصنع ومعمل، بسبب تعذر الحصول على الطاقة الكهربائية اللازمة بعد العام 2003، وفقا لاتحاد الصناعات العراقي.

استهداف النظام التعليمي في العراق

منذ 2003، تم هدم نحو (1000) مدرسة من قبل وزارتي الصناعة والإسكان بحجة تجديدها، ولم يُعاد إعمار أي منها حتى اليوم

بدأ مستوى التعليم في العراق بالتدهور بعد حرب الخليج الأولى وفرض العقوبات الاقتصادية على البلاد، وأصبح التدهور سريعًا بعد الاحتلال حتى وصل إلى الحضيض في السنوات الأخيرة وذلك نتيجة الاستهداف المباشر والأزمات المتتالية، بعد أن كان في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي من أفضل أنظمة التعليم في الشرق الأوسط، وكان التعليم العالي والجامعات العراقية من الأمثلة التي يحتذى بها على الصعيد الإقليمي والعالمي لا العربي فحسب.

ويشهد واقع التعليم العراقي اليوم انخفاضًا بجودة التعليم وارتفاعًا بنسب الأمية بين السكان، إضافة لازدياد نسب التسرب من المدراس، وتراجع الاعتراف بالشهادة العراقية من قِبل الدول الأخرى، ومع استمرار موجات النزوح الداخلي في البلاد بعد 2003، عانى العراق من إدارة المؤسسة التعليمية، ووفقًا لاستطلاع أجرته (منظمة أوكسفام)، كان لدى 80٪ من الأطفال الذين شملهم المسح معوقات في التعليم تعزى إلى حد كبير إلى النزوح، فضلا عن معوقات أخرى، من أبرزها: خوف الأهالي على أبنائهم ومنعهم من الذهاب إلى المدارس نتيجة الانفلات الأمني وتفشي الجريمة في العراق، وذكرت منظمة اليونيسيف مؤخرا أن هناك أربعة ملايين طفل عراقي بعمر الدراسة محرومون من حق التعليم بسبب الحروب الدائرة في البلاد وتداعياتها، فضلاً عن وجود نحو مليون طفل نازح مع عائلته يعيشون في مخيمات الإيواء ظروفًا صعبة للغاية، ناهيك عن خروج آلاف المدارس من الخدمة في المناطق الساخنة بسبب القصف العشوائي والقتال، واتخاذ أعداد كبيرة من العائلات النازحة داخليًا مباني المدارس ملجأ لها في بعض المجتمعات المضيفة.

تدار عملية التعليم في العراق عبر وزارة التربية والتعليم، وحسب تقرير (اليونسكو)، فإن العراق قبل الاحتلال كان يمتلك أحد أفضل أنظمة التعليم في العالم، حيث كانت تقدر نسبة المسجلين في التعليم الابتدائي بما تقارب الـ 100%، كذلك وجود نسبة عالية للقادرين على القراءة والكتابة في العراق؛ ولكن تدهور واقع التعليم كثيرًا بسبب نقص الكوادر الكفوءة وسوء الإدارة وتقليص أشهر الدراسة، فضلاً عن ما يتعرض له العراق من حروب وأزمات اقتصادية واستشراء للفساد ونهب المال العام، وانعدام الأمن واستهداف النخب بالقتل والخطف والتهديد، في ظل الفوضى العارمة التي تعصف بالبلاد منذ 2003، فضلا عن زيادة غير مسبوقة بعدد أيام العطل فرضتها الأحزاب الشيعية الحاكمة؛ الأمر الذي تسبب في تراجع غير مسبوق في مستوى الأداء التعليمي عامة والجامعي خاصة.

قسم حقوق الإنسان
17 شعبان /1438ه
13/5/2017م


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *