المؤرخ الدكتور مجاهد الجندي: الاحتلال استهدف العراق بكل ما يمثله من عمق للأمة بهدف تدمير الحضارة الإسلامية

الهيئة نت ـ القاهرة| في رحاب كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر حيث عبق الماضي الجميل، ومن الكلية التي تخرج فيها علماء كبار كالشيخ ابراهيم حمروش شيخ مشيخة الأزهر الشريف، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والدكتور عبد العظيم المطعني وغيرهم؛ كان لـ(الهيئة نت) لقاء مع علم من أعلام قسم التاريخ؛ هو الأستاذ الدكتور مجاهد توفيق الجندي.

ولد الشيخ الجندي في قرية بلوس بمحافظة طنطا عام 1942، وتدرج في التعليم حتى حتى حصل على البكالوريوس عام 1971 من كلية اللغة العربية بالازهر، وعلى الماجستير من الكلية نفسها عام 1975، بقسم الحضارة، ثم نال الدكتوراه سنة 1981 في مجال تخصصه في الكلية ذاتها، وقضى جزءا من مسيرته العلمية في التدريس بجامعات مختلفة في الجزائر وليبيا وباكستان، وهو حاليًا أستاذ متفرغ في دراسات التاريخ الإسلامي بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر.

 وللدكتور الجندي مؤلفات عديدة؛ منها:  التربية الإسلامية والمؤسسات التعليمية في ديار الإسلام، والخط العربي وأدوات الكتابة، وتاريخ الكتابة العربية وأدواتها، والحركة العلمية في مصر من عصر سلاطين المماليك البرجية ودور الأزهر فيها.

 وفي معرض الحوار الذي أجراه الدكتور عبد المنعم جمعة، مدير مكتب (الهيئة نت) في القاهرة؛ أكد الدكتور الجندي أن العراق يمثل لأمة العرب والأمة الإسلامية تاريخًا جميلًا، وأن بغداد في قلوب المسلمين جميعًا لما قدمته من خدمة للإسلام والمسلمين، وأن علماءها الأجلاء خدموا الحضارة الإسلامية خدمات لا نظير لها.

ويرى الدكتور مجاهد الجندي أن اجتماع الأعداء على استهداف العراق كان مقصودًا؛ لما يمثله  من عمق حضاري للأمة، معربًا عن تفاؤله بعود بلاد الرافدين إلى سابق عهدها على الرغم مما حصل فيها من تدمير.

وفيما يأتي النص الكامل للحوار:

 ـ الهيئة نت: ماذا يمثل العراق تاريخًا، حاضرًا، ومستقبلًا للأمة؟

الجندي: بسم الله الرحمن الرحيم، العراق يمثل للعرب والامة الاسلامية تاريخا جميلا ، ذلك أنها عاصمة الدولة العباسية، بغداد كانت في قلوب المسلمين جميعا ، لما تحويه من المكتبات ودور التعليم وغير ذلك من المؤسسات التي خدمت الاسلام والعلم خدمات جليلة، وعلماؤها الأجلاء خدموا الحضارة الإسلامية خدمات لا نظير لها، وقد ترجموا الكتب من اليونانية والرومانية وغيرها إلى اللغة العربية، وهناك أُسر كثيرة تخصصت في ترجمة الكتب، في عهد المأمون كان يعطي لمن يترجم كتابا بوزنه ذهبا، وكانت بعض الأسر تكتب على أوراق سميكة لتزن أكثر ذهبا ومع ذلك كان يعيطهم المأمون بوزنها ذهبا، فالعراق يمثل الأمة العربية والاسلامية من حيث كيانها وحضارتها ورقيها وتاريخها الجميل.

 الهيئة نت: إذن تكالب الأعداء على العراق  ليس عبثا، إنما هو لاستهداف تاريخه وحاضره ومستقبله.

الجندي: طبعا، فكل ما يحدث الآن هو محاولة لاستهداف العراق بكل ما يمثله من عمق للأمة، واجتمع حقدهم على العراق لتدمير حضارته وتدمير كل شيء جميل فيه، وهذا يدمي قلوب الأمة العربية والإسلامية، وما زال العراق في ذاكرة الأمة العربية والإسلامية إلى الآن وفي ذاكرة العلماء، والكل حزين لما حدث ويحدث للعراق.

 الهيئة نت: وصف العراق بموطن العلماء، وشعبه عُرف بالقراءة هل هذه من أسباب استهدافه؟

الجندي: بالطبع هذه من أسباب استهدافه؛ لأن العراق حوى الكثير والعديد من علماء الأمة العربية والإسلامية وفي كل فنون المعرفة والعلم، في الفلك والطب والهندسة والكيمياء والرياضيات والصيدلة فضلا عن العلوم الانسانية، وعلوم كثيرة منها صناعة المخطوطات وصناعة الورق والحضارة الإسلامية كانت كلها تتمثل في بغداد عاصمة الخلافة العباسة، وما زال العراق يرث هذه الكنوز إلى أن قامت الحرب الحقودة الشرسة من الأمريكان على العراق ودمروا ما بقي من هذا التراث العظيم.

 الهيئة نت: كيف يمكن الحديث عن علماء العراق قديما وحديثا؟

الجندي: الحديث عنهم طويل ويستعصون على الحصر لكثرتهم أولا، ولهجرتهم إلى بلاد أخرى، إما بحثا عن الرزق أو فرارا بدينهم من الظلم الذي وقع عليهم، فالعراقيون يعشون في الأندلس وآسيا الوسطى وأوربا، وفي كل انحاء الكرة الأرضية، وينشرون  حضارة الإسلام في كل أصقاع الأرض ولكثرتهم كما قلت لا نستطيع أن نحصرهم.

 الهيئة نت: كيف ننظر لغزو العراق وتأثير ذلك على العالم العربي والإسلامي؟

الجندي: طبعا بالتأكيد الغزو الظالم والجائر للعراق أثر تأثيرا بصورة مباشرة وغير مباشرة على العالم العربي والإسلامي ، بعد أن كان العراق مهبط أهل العلم والثقافة والمعرفة أصبح أهله يهجرونه إلى أماكن أخرى أكثر أمنا وأمانا، وللبحث عن حياة أرغد من الحياة التعيسة التي خلفها الاحتلال، فضلا عن موضوع التهجير والقتل، هذه الأسباب كلها ارّقت العراقيين، وكذلك فقدان العراق لمخطوطاته وأبرز مكتباته، وكذلك هدم مئات من المساجد وآلاف البيوت.

 الهيئة نت: تتعدد أوجه مقاومة المحتل سياسيا وإعلاميا واقتصاديا وميدانيا، برأيكم كيف تكون محاولة التصدي لتجهيل الشعوب بهذه القضية؟

الجندي: التصدي لهذه المحاولات يكون بالصمود، ولا بد من وقوف الدول العربية والإسلامية إلى جوار العراق للتصدي لهذه الهجمات الشرسة والتي لا رحمة ولا هوادة فيها.

هذا هو السبيل الوحيد هو الصمود في المكان، وعدم ترك المكان للآخرين أو تغيير الديموغرافية لشعب العراق، والتصدي أيضا لتقسيم العراق لا بد من وقوف سكان المدن العراقية ضد التهجير وتغيير نمط الحياة والتغيير السكاني لمناطق أهل السنة، فهذا خطر كبير وماحق ولهذا ينبغي التصدي لهذه المخططات الجائرة الظالمة.

 الهيئة نت: العراقيون كثيرون منهم درسوا في الأزهر، منهم الشيخ حارث الضاري رحمه الله تعالى وغيره،  ما هو الانطباع السائد عن طلبة العراق ودراستهم في الأزهر واهتمامهم بالعلم؟

الجندي: نعم العراقيون كثيرون درسوا في الازهر وليس في العصر الحديث فقط، بل دراسة العراقيين بالأزهر منذ قديم، وللعراقيين رواق خاص بالأزهر يسمى رواق البغادة أو أهل العراق، ومعهم دول الخليج ايضا في هذا الرواق، والرواق هو المكان المخصص لعيش الطلبة والشيوخ وهو يشبه مدينة البعوث حاليا بالقاهرة أو القسم الداخلي للطلبة وطلبة العراق كثر ومنذ قديم.

 وأما عن اهتمام أهل العراق بالعلم، فأهل العراق هم من أعلم أهل الأمة العربية والاسلامية، هم أكثرهم علما واهتماما بالعلم؛ لأنهم كانت لهم جامعات كالجامعة المستنصرية وجامعات أخرى منذ الدولة العباسية وإلى الآن،  لهم اهتمامهم بالعلم وبكل نواحي وفروع العلم والمعرفة، فالعراقيون لهم باع طويل في العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية والعلوم الحياتية، والعراقيون معروفون بحب العلم، واحترام العلماء وانشاء المؤسسات التعليمية وكل مسجد كان يعد مدرسة من المدارس الإسلامية الموجودة في العراق، كل مسجد كان مدرسة بالإضافة إلى أنه مكان لعبادة، هو مكان أيضا للسكن، والخلفاء والأمراء أوقفوا الأوقاف التي تدر دخلا كبيرا على طلاب العلم والمعرفة وهذا ما شجع العلم والعلماء في العراق.

 الهيئة نت: ما هي أهمية دراسة التاريخ في حياة الشعوب والأمم؟

الجندي: ومَن وعى التاريخ في صدره      فقد أضاف أعمارا إلى عمره

ذلك لأن القارئ والكاتب في التاريخ عندما يقرأ كتابا هو يضع في ذاكرته فكرة وثقافة مؤلف الكتاب، ومؤلف الكتاب ربما كتبه في أربعين سنة، يذكر تجربة حياته وخبرته، ويضيف الكاتب أعمار الأمم والأشخاص وتجاربهم،  وهناك كثير من أنواع التاريخ منها: تاريخ الأمم، وتاريخ الشعوب، تاريخ المدن، وتاريخ البلدان، كل هذا يفيد الانسان المثقف، وتاريخ الشعوب غاية في الأهمية ولا بد للمؤرخين أن تتظافر جهودهم لإعادة كتابة تاريخ الأمة مرة أخرى، لأن التاريخ زُور عليهم، التاريخ زوره المستشرقون وأعداء الإسلام فكتبوا خاصة فيما يتعلق بالفرق وبالاقتتال بين المسلمين في القرون الأولى والخلافات التي وقعت بينهم، حتى ننقي التاريخ من هذه الشوائب، التي وضعت نقاطا سوداء في تاريخ المسلمين.

 الهيئة نت: كيف تكون الإفادة من التاريخ في حاضر الأمة؟

الجندي: الافادة في قراءة التاريخ وأخذ العبر، قراءة التاريخ بعد تنقيته من الشوائب، وأخذ العبر مما مرت به الشعوب والأمم من تجارب وأحداث.

 الهيئة نت: هذه الأيام مرت ذكرى مؤلمة علينا، الذكرى الرابعة عشر على احتلال العراق في شهر نيسان، ما هي نظرتكم المستقبلية للعراق بعد هذه السنين العجاف؟

الجندي: نظرة متفائلة إن شاء الله، خاصة بعد أن يجتمع أهل العراق وينقوا قلوبهم، ويوحدوا صفوفهم، ويؤثروا العراق على مصالحهم الشخصية ويقفوا أمام هذه الهجمات الشرسة على العراق، وعندما تخلص النية ويجلس الفرقاء على مائدة واحدة، ويتحاوروا فيما بينهم، سيعود العراق إلى أهله وإلى عزته وكرامته، ويبدأوا صفحة جديدة وينتهوا من الماضي البغيض، فالإنسان عندما يقع على الأرض يصاب بالآلام، لكن عليه أن يقوم من فوره ويواصل المسير من جديد.

 الهيئة نت: شكرا لكم دكتور على هذه اللقاء.

الجندي: أهلا وسهلا بكم، وحياكم الله.

 

 الهيئة نت

ج