توجيه شرعي في مسألة توزيع الآباء والأمهات أموالهم وأملاكهم على أولادهم

ورد إلى قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين سؤال بشأن الحكم الشرعي في توزيع بعض الآباء أمكلهم إلى أبنائهم في حياتهم، وفيما يأتي تفصيل المسألة.

 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يرجى بيان الحكم الشرعي فيما يفعله بعض الآباء من توزيع أملاكهم أو أموالهم لأولادهم، خشية ان يختلفوا بعد وفاته في الميراث؟ وهل في ذلك منفعة اجتماعية؟ وما النصيحة التي توجهونها في هذا المجال؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أولًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

ثانيًا: التوجيه الشرعي والنصيحة التي ينبغي مراعاتها في مسألة توزيع المال على الأولاد من قبل الآباء والأمّهات في حال الحياة؛ يتلخص بالموجز الآتي:

1ـ يجب على كل مسلم صحيح الإسلام والإيمان أن يُغلّب الحكم الشرعي وعقله على هواه وعاطفته، وأن يعلم بأن بعض الأولاد والذرية وبعض الأزواج؛ صالحون يسعد الأب المؤمن أو الأم المؤمنة بهم وتقر أعينهم بهم، ولسان حالهم ومقالهم يدعون الله تبارك وتعالى قائلين: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [سورة الفرقان: الآية (74)].

2ـ وأن يعلم أيضًا أن بعض الأولاد والأزواج أعداء للرجل الصالح ويتربصون به السوء، لذا عليه أن يكون على حذر منهم فلا يعينهم على معصية الله تبارك وتعالى، وقد قال الله عز وجل في بيان هذا النوع منهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة التغابن: الآية (14)].

3ـ وفي ضوء ما تقدم؛ نوجه نصيحة خالصة للآباء والأمّهات أن يتقوا الله عز وجل في التصرف بأموالهم وأملاكهم وأن يضعوها في مكانها المناسب، ولا تحملهم العاطفة الأبوية على تقسيمه بين أولادهم ولو كانوا فاسقين، عاقّين؛ فهذا تصرف خاطئ وخلل كبير، بل المطلوب من الآباء والأمهات ـ إذا كان أولادهم وذراريهم من الصنف الثاني ـ أن يجعلوا من الأموال وسيلة ضغط عليهم ليحملوهم على الاستقامة والتوبة وتصحيح المسار عندهم في أخلاقهم وعقيدتهم؛ ولو بالتهديد إن لم يستقيموا فلن يُعطوا من المال شيئًا، وهذا هو أضعف الأعمال في هذه المسألة.

ثالثًا: ليعلم الآباء والأمّهات أن الأصل في الأموال ـ التي اكتسبوها وتعبوا بها ـ أن يُسخّروها في مصالح أنفسهم الأخروية أولاً؛ لأنهم سيُسألون عنها في الآخرة؛ من أين اكتسبوها وفيمَ أنفقوها؟ وقد جاء في الحديث الصحيح: (لا تزول قدما عبد حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟ وعن جسده فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

فليس من الحكمة ولا من العقل أن تسخر الأموال للغير وهو لا يدري ما هم فاعلون بها ثم هو سيُسأل عنها!! فعليهم أن يضعوها فيما يعود عليهم بالفائدة والنفع في الآخرة.

ومعلوم في لسان الشريعة الإسلامية أن المال الحقيقي الذي ينتفع به العبد المسلم حقيقة؛ هو ما أنفقه وقدّمه فعلاً في الحياة الدنيا طاعة لله تبارك وتعالى وتنفيذًا لأمره؛ من زكاة، وصدقة جارية، وأُعطيات يصل بها رحمه، ويشكر الله تعالى على نعمه، ولذلك قال الله عز وجل: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة المزمل: من الآية(20)].

وفي الحديث الصحيح يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟) قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: (فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) رواه البخاري.

رابعًا: وعلى الآباءوعلى الآباء والأمّهات أن يبادروا للصدقة والأعطيات وهم في عز شبابهم وقوتهم العقلية والجسدية ؛ لأن الصدقة في هذه المرحلة من حياة المسلم أعظم أجرًا من الصدقة في مرحلة الشيخوخة وكبر السن واعتلال الصحة الجسدية، لذلك لمّا سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تُمْهِلْ؛ حتى إذا بلغت الحلقوم قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان) رواه البخاري ومسلم.

وإذا أعطى الآباء والأمّهات شيئًا لأولادهم وذراريهم؛ فعليهم أن يُصححوا النيّة لله عز وجل، ويعطوهم بنيّة الصدقة عليهم؛ وذلك لحديث: (إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن من ينفق ويتصدق في وجوه البر والخير كلها، ففيها أجر ومثوبة، ولكن أكثرها أجرًا النفقة على الأهل والأولاد، فجاء في الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقتَه في رقبة، ودينار تصدقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك؛ أعظمها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك) رواه مسلم.

خامسًا: وأُذكِّرُ الآباء والأمّهات بقول الله عز وجل: { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [سورة النساء: الآية (9)]، وبما جاء في الأثر: (من خاف على عقبه وعقب عقبه؛ فليتقِ الله) وتقوى الله عز وجل وطاعته فيما يأمر بالفعل، وترك فعل ما نهى الله عنه، ولاسيما في الصدقة على الآباء والأبناء ....... قال تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [سورة النساء: من الآية (11)].

سادسًا: وتحرير الجواب الفقهي على منطوق السؤال يتلخص بالآتي:

1ـ يجوز شرعًا أن يوزع الآباء والأمّهات ما يملكون من مال أو عقار أو غيرها؛ على أولادهم ـ الأبناء والبنات ـ في حال حياتهم ولا يتركون ذلك إرثًا، ويُعد تصرفهم ذلك صحيحًا ونافذًا، ولهم في ذلك أجر بشرط مراعاة الضوابط الشرعية الآتي ذكرها، مع مراعاة ما ذكرناه في الفقرات السابقة.

2ـ على الآباء والأمّهات أن يعلموا أنهم عند إرادتهم توزيع أموالهم وهم أحياء؛ أن يكونوا بكامل قواهم العقلية والنفسية والصحية، وأن يكون ذلك التصرف باختيارهم وحرية إرادتهم، وإذا لم يكونوا  كذلك؛ فليعلموا أن تصرفات المريض في ماله؛ فيها نظر، وقد تُلغى بعض تصرفاتهم المالية  في حال المرض، ولا يعتد بها.

3ـ عليهم أن يعلموا أن توزيع المال على الأبناء والبنات يوجب عليهم التسوية في الأعطيات، فلا يُحابى بعضهم على بضٍ ولاسيما إذا كانوا صالحين بارين بهم، ويدل على ذلك حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلتُ ـ أي: أعطيتُ ـ ابني هذا غلامًا ـ أي: عبدًا مموكًا ـ وفي رواية: بعيرًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكُلّ ولدك نحلته ـ أي: أعطيته ـ مثل هذا؟) قال: لا، قال: (فارْجِعه)، وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيتَ سائر ولدك مثل هذا؟) قال:لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، قال: فرَجَعَ فرَدَّ عطيته. وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنعمان بن بشير: (ألا تحب ان يكونوا لك في البر سواء؟) قال: بلى، قال: (إذن سوِّ بينهم في العطاء)، وفي رواية: أن النعمان بن بشير أراد أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدًا على عطيته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لا أشهد على جَوْرٍ) أي: ظلم، وهذه الروايات في صحيح البخاري وغيره [البخاري بهامش فتح الباري: 6/139-141].

4ـ وللفقهاء في المراد بالتسوية في الأعطيات بين الأبناء والبنات قولان:

الأول: إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين ـ أي: تقسم الأموال بينهم كتقسيم الإرث ـ وهذا مذهب محمد بن الحسن، والإمام أحمد، ورواية عن إسحاق، وهو مذهب لبعض الشافعية والمالكية، ولذلك قالوا: (العدل أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث، واحتجوا بأنه حظهما من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يديه حتى مات) [فتح الباري: 6/141].

الثاني: المراد بالعدل والتسوية أن يكون العطاء بالتساوي للذكر والأنثى سواء، وهو قول أكثر العلماء، واستدلوا بظاهر صيغة الأمر الواردة في حديث النعمان بن بشير: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، وكلمة الأولاد تشمل الذكر والأنثى.

قال ابن حجر العسقلاني: (واستأنسوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، رفعه: (سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحدًا على أحد لفضلت النساء) أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه، وإسناده حسن) فتح الباري: [6/141].

ومن القائلين بهذا المذهب؛ الإمام البخاري وقد ذكره في صحيحه قائلاً: (باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز، حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله.. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعدلوا بين أولادكم في العطية») [البخاري بهامش فتح الباري 6/138]، وهو قول طاووس، والنووي، ورواية عن الإمام أحمد، وإسحاق، وغيرهم. [يُنظر: فتح الباري:6/141].

5ـ ويبدو لي ـ والله أعلم ـ أن القول الثاني هو الراجح؛ لأن نظام الأعطيات في حال حياة المسلم غير نظام الإرث، وقد جاءت النصوص النبوية صريحة في ذلك.

والذي يبدو لي أيضًا ـ والله أعلم ـ أن نظام الأعطيات المذكور في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ لا يشمل ما يُنفقه رب الأسرة على بنيه وأسرته من النفقات اليومية التي يُسيّر بها حياتهم ومصاريفهم، فقد يتطلب وضع مخصوص لأحد الأولاد نفقات أكثر من إخوانه وأخواته، كوضع بعض الطلاب والطالبات في الدراسة ومستوياتها، فلرب الأسرة أن يتعامل معهم بما يفي حاجاتهم، ولو كانت تلك النفقات غير متساوية بينهم؛ لأن حيد النعمان بن بشير في مسألة ثانية ؛ وهي تخصيص بعض الأولاد بأعطية لا مُبرر لها دون بقية الأولاد.

وبناءًا على ما ذكرت؛ ينبغي على لآباء والأمّهات أن يُخفوا تلك النفقات  التي تكون نتيجة الظروف والأحوال الخاصة ببعض أولادهم، لقوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة البقرة، الآية:271].

6ـ وللعلماء كلام كثير في حكم من لم يتقيد بهذه الإرشادات والتوجيهات الشرعية وتصرّف بغير ما ذكر، ومن أراد معرفتها والاطلاع عليها؛ فليرجع إلى مصادر الفقه ومصادر شرح الأحاديث ومنها فتح الباري لابن حجر: [6/138-143].

قسم الفتوى ـ هيئة علماء المسلمين