فوائد لغوية.. د. جمال مرشد

هذه فوائد لغوية تقع في الفصيح من الكلام وليست من التكلف ولا من الضرورات فاذا وجدها القارئ فلا ينسب قائلها الى الخطأ والتقصير وقد نبهنا عليها لتعم الفائدة بجمعها والله الموفق.

فمن الفوائد ان يُذكر شيئان ثم يُخبر عن احدهما دون صاحبه من باب التوسع ومثاله قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ}  فقال اليها ولم يقل اليهما وهو كما اخبرت من باب التوسع .

وعلى شاكلته ان يجعل الفعل لاحدهما ويشترك معه الاخر او يذكر شيئا فيقرن به ما يقارنه او ما يناسبه ولم يذكر، ومثاله قوله تعالى {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}  فقد ذكر الانسان قبل هذه الاية ولم يذكر الجان ومع ذلك قال تكذبان بالتثنية اعتمادا على ان الانس غالبا ما يذكر معه الجن.

قال الشاعر وهو المثقب العبدي:

فلا تَعِدي مواعِدَ كاذباتٍ ... تَمُرُّ بها رياح الصَّيفِ دوني

فلو أني تُعاندُني شِمَالي ... لما أتبعتها أبداً يميني

إذاً لَقَطعْتُها وَلَقُلْت بيني ... كذلك أَجْتوي مَنْ يجتويني

فإمَّا أن تكون أخي بحَقِّ ... فأعرفَ منكَ غَثِّي من سَميني

وإلاّ فاطَرحْني وَاتَّخِذني ... عدُوّاَ أتقِيكَ وتتَّقيني

فما أدْري إذا يَمَمْتُ أَرضاً ... أُريدُ الخيرَ أيُّهما يَليني

آَاَلْخَيْرُ الذي أنا أبْتَغيه ... أمَ الشرُّ الذي هو يبتغيني.

فقال ايهما فكنى عن الشر بالضمير المثنى وقد ذكر الخير ولم يذكر الشر اعتمادا على الفهم وذلك لأن الكلام يقتضيه ويرنو اليه.

ومنها حذف جواب القسم وغيره فمثال حذف جواب القسم قوله تعالى {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ } فلم يذكر جواب القسم لدلالة الكلام عليه ومثله في القران كثير.

ومنه قوله تعالى {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  }  والجواب لعذبكم أو نحوه فحذف ولم يذكره .

وفي الشعر القديم والمحدث منه كثير، يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب: من ذلك قول الله عز وجل: " ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى " كأنه قال: لكان هذا القرآن. ومثله قولهم: لو رأيت علياً بين الصفين، أي: لرأيت أمرا عظيماً، وإنما كان هذا معدوداً من أنواع البلاغة لأن نفس السامع تتسع في الظن والحساب، وكل معلوم فهو هين؛ لكونه محصوراً.

 وقال امرؤ القيس:

فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفساً.

كأنه قال: لهان الأمر، ولكنها نفس تموت موتات.

ومنها الاضمار لشيء لم يذكر ومثاله قوله تعالى الصناعتين: كقوله تعالى: "حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ" يعنى الشمس بدأت فى المغيب. وقوله تعالى: "ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ" يعنى على ظهر الأرض. وقوله تعالى: "فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً" أى بالوادى. وقوله تعالى: "وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها" يعنى الدنيا أو الأرض. وقوله تعالى: "وَلا يَخافُ عُقْباها" يعنى عقبى هذه الفعلة.

وقول لبيد:

حتى إذا ألقت يدا فى كافر ....... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها.

يعني الشمس تبدأ في المغيب.

وقول حاتم:

اماويَ ما يغني الثراء عن الفتى   ... إذا حشرت يوما وضاق بها الصدر.

يعني حشرت النفس.

وعن الفراء:

إذا نهي السفيه جرى اليه ....  وخالف والسفيه الى خلاف.

يعني جرى الى السفه.

ومنها حذف لا من الكلام وانت تريدها وهو في القرآن كثير منه قوله تعالى "يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا"  أى لأن لا تضلّوا.  وقوله تعالى: "أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ" ، أى لا تحبط أعمالكم.

وقال امرؤ القيس:

فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى.

 أي لا أبرح قاعدا.

وقال آخر:

فلا وأبى دهمان زالت عزيزة ... على قومها ما فتّل الزّند قادح.

أي لا زالت عزيزة.

وربما تزاد لا في الكلام ومثاله في القران قوله سبحانه " وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " فزاد لا لأنهم لا يؤمنون، هذا قول ابن قتيبة، وقال جل اسمه: " ما منعك أن لا تسجد " أي: ما منعك أن تسجد، وإنما تزاد لا في الكلام لإباء أو جحد، وقال تعالى: " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله " أي: ليعلم. وقال الشاعر:

ولا ألوم البيض ألّا تسخرا … من شمط الشّيخ وألّا تذعرا

قاله العجاج،  وقيل ابنه رؤبة، وقيل أبو النجم، والشاهد: «ألا»، فإنها مركبة من «أن» و «لا»، قالوا: إن «لا» هنا، حشو، أي زائدة ومعناه «أن تسخر» وأن تذعر.

ومن مواضع زيادتها المطّردة مجيئها بعد النفى، مؤكّدة له فى نحو قوله تعالى: {ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ}  وقد تجيء مؤكّدة للنفى فى غير موضعها الذى تستحقّه، كقوله: {وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ}  المعنى: وما يستوى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء؛ لأنك تقول: ما يستوى زيد وعمرو، ولا تقول: ما يستوى زيد، فتقتصر على واحد، ومثله: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ}. وممّا زيدت فيه قوله تعالى: {وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ}  المعنى: حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا.

وقد تزاد لإزالة الاحتمال، فى نحو قولك: ما قام زيد ولا عمرو، وذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد وعمرو، احتمل أنهما لم يقوما معا، ولكن قام كلّ واحد منهما منفردا، فإذا زدت «لا» زال هذا الاحتمال، وصار إعلاما بأنهما لم يقوما ألبتّة.

ومن الفوائد حذف المنادى كقوله تعالى: " ألا يا اسجدوا لله " كأنه قال: " ألا يا هؤلاء اسجدوا لله " وقال ذو الرمة في مثل ذلك:

ألا يا سلمى يا دار مي على البلى ... ولا أزال منهلاً بجرعائك القطر

ومن الفوائد أن يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة، أو يخبر عنه، كقوله تعالى: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات " وإنما كان رجلاً واحداً، وقوله تعالى  " ألقيا في جهنم " وإنما يخاطب مالكاً خازن النار، وقيل: بل أراد ألق ألق، فثنى الفعل، وقوله تعالى: " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى" فخاطب الاثنين بخطاب الواحد، وقوله: " فقد صغت قلوبكما" وقوله تعالى: " وألقى الألواح " وهما لوحان فيما زعم المفسرون، ؛ وأن يصف الجماعة بصفة الواحد كقوله تعالى: " إن كنتم جنباً ".

ومن غرائب هذا الباب أن يأتي المفعول بلفظ الفاعل، كقوله تعالى:" لا عاصم اليوم من أمر الله " أي: لا معصوم، وكذلك قوله: " من ماء دافق " أي: مدفوق، وقوله تعالى: " في عيشة راضية " أي: مرضي بها، وقوله تعالى: " وجعلنا آية النهار مبصرة " أي: مبصر فيها، وأن يأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله تعالى: " إنه كان وعده مأتيا " أي آتياً. وهو باب واسع موسوم في علم البلاغة بالمجاز العقلي.

وقد جاء الخصوص في معنى العموم في قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " وجاء العموم بمعنى الخصوص في قوله: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً " ومن الحمل على المعنى قوله تعالى: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " كأنه قيل: من زينه؟ فقيل: شركاؤهم. وهو باب أوسع يسمى بالمجاز المرسل.

والحمل على المعنى في الشعر كثير، ومن أنواعه التذكير والتأنيث، ولا يجوز أن تؤنث مذكراً على الحقيقة من الحيوان، ولا أن تذكر مؤنثاً. قال ابن أبو ربيعة المخزومي:

فكان مِجَني دون من كنت أتقي ... ثلاثُ شخوصٍ كاعبان ومعصرُ.

فأنث الشخوص على المعنى. وكل جمع مكسر جائز تأنيثه وإن كان واحده مذكراً حقيقياً. ومما أنث من المذكر حملا على اللفظ قول الشاعر أنشده الكسائي:

أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة، ذاك الكمال.

ومثل هذا في الشعر كثير وموجود. ولهذه الفوائد مزيد يأتي ان شاء الله.