العراق في الاختبار الجاري بين أمريكا وإيران... طلعت رميح

لم تتوجه إيران باختباراتها الأولية لأمريكا- ترامب - بعمل في العراق.

اختارت إيران أن تقوم بتجربة صاروخية على أرضها لرصد وتحليل ردود الفعل الأمريكية من قِبل إدارة ترامب، قصدت هنا أن تختبر رد الفعل ومدى جدية التهديدات التي أطلقها ترامب بشأن الاتفاق النووي وتسلح إيران بشكل عام، بقدر ما سعت لفتح مجال لاختلاف دولي مع ترامب، ولفرض أجندة قضايا تريد وضعها على جدول الحوار – الصراعي المتجدد-.

واتخذت إيران قرارا بالاعتداء الإرهابي على الفرقاطة السعودية في مياه البحر الأحمر- نُفذ بأيدي الحوثيين - لتختبر مواقف إدارة ترامب بشأن النفوذ الاستعماري الإيراني في الإقليم، ولإرسال رسالة واضحة لترامب بأن لديها القدرة على إلحاق الأذى بالهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وهنا كانت دلالة اختيار نفس المكان الذي استهدفت صواريخ الحوثيين - من قبل - قطعة بحرية أمريكية للقول بأن لإيران القدرة على تشكيل حقل ألغام وشبكة صراع عسكري داخل مياه البحر الأحمر والخليج العربي عبر عملائها، وكذلك جاء احتواء الشريط الموزع من الحوثيين لعملية الاعتداء على هتاف الموت لأمريكا؛ ولذا صدرت تعليقات أمريكية مباشرة وفورية بما يفيد وصول الرسالة الإيرانية.

جرى اصدار تصريحات أمريكية أشبه بالإنذار لإيران، وجرى الحديث مجددا عن إيران كدولة راعية للإرهاب، وفي المقابل وكالعادة مارست إيران لعبة الساقية الدوارة في التصريحات - المعروف اعتمادها في دوائر صنع القرار الإيرانية - إذ جرى اطلاق تصريحات متعددة "اللغة" ومن أطراف مختلفة في نفس الوقت لتشكيل دائرة محكمة من المواقف التي تستهدف دورة مقابلة من ردود فعل الخصم، بما يمكن إيران من استخلاص أكبر قدر من المعرفة على نواياه.

هنا كانت الملاحظة الجديرة بالتأمل، أن إيران لم تستخدم أرض العراق - وهي النقطة التي شهدت وتشهد وجودا وتنسيقا عسكريا بين إيران والولايات المتحدة كطرفي احتلال – للقيام بأي نمط اختباري لطبيعة التبدل والتغيير في العلاقات القائمة والمستقرة بعد وصول ترامب.

وإذ كان يفترض أن يكون العراق مسرح الفعل الاختباري الإيراني لإدارة ترامب باعتبارها النقطة الأهم قدرة على اظهار النوايا الأمريكية بجلاء ووضوح، فقد جرى الأمر مختلفا، إذ تدرك إيران أن وجودها في العراق هو أضعف حالات وجودها الإقليمي بحكم اعتماد وجودها على الوجود والدور الأمريك.

لم تجر إيران أي من اختباراتها لنوايا الولايات المتحدة في عهد ترامب على أرض العراق، باعتبار العراق نقطة تواؤم بين الاستراتيجيتين الأمريكية والإيرانية، وباعتباره الساحة التي تشكلت فيها أهم مساحة التقاء وتنسيق بين الدولتين حتى درجة الالتحام والتخادم القتالي بين قوات الطرفين ضد السنة بكل مكوناتهم السياسية والفكرية والعسكرية، وهي حالة تحرص إيران على استمرارها ولا تريد التشويش عليها أو طرحها على طاولة الخلاف الراهن، لإدراكها أن وجودها في العراق هو أضعف نقاط قدرتها على العمل المنفرد في الوقت الراهن؛ إذ تخوض قوتها وميلشياتها معارك عسكرية تحت حماية الطيران الأمريكي، ولإدراكها أن الرد الأمريكي على أي من اختباراتها سيكون مؤلما بل قاصما لظهر تلك الميلشيات.

إيران تدرك أن ايقاف الولايات المتحدة طلعات طيرانها وامتناعها عن حماية تلك المليشيات، سيجلب نتائج مروعة على الوجود والدور الإيراني في العراق، إيران تدرك أن وقف طلعات الطيران الأمريكي سينتهي بتلك الميلشيات للتقهقر والهزيمة وسيعرض قطاعات منها لإبادة كاملة في وقت قصير.

وإيران تدرك جيدا، أنها ستجبر على خوض معركة تراجعية خاسرة، إذا دخلت في أي خلاف أو صراع من أي نوع مع الولايات المتحدة في ظل الحملة الدولية والإقليمية المتصاعدة لحل وتفكيك قوات الميلشيا الايرانية (الحشد الطائفي) ولمعرفتها بأن ما يحمي الحشد سياسيا ودوليا، هو الموقف الأمريكي لا غيره، وفي ذلك تعلم إيران أن جرائمها من قتل وتهجير وتعذيب ومذابح، قد هيأت الموقف الشعبي العراقي للسعي للخلاص من الوجود الإيراني، وأن وقوع اختلاف وصراع بين قوتي الاحتلال الأمريكية والإيرانية، سيوفر الفرصة والمناخ لتعزير واندفاع حركة طرد النفوذ الإيراني من العراق.

ابتعدت ايران بألاعيبها الاختبارية عن العراق، لكن ترامب كان له رأي وموقف آخر؛ إذ وضع أمر العراق على طاولة التهديد لإيران بقوله "إن ايران قد ابتلعت العراق"، وباتهام إيران بمساندة الإرهاب، وكلا الأمرين تدرك إيران خطر صدورهما عن ترامب.

الأول باعتباره انذار أمريكي يهدد وجودها في العراق، والثاني باعتباره اتهام يهيء لإخراج إيران من دائرة تحاول السعي دوما للدخول في حلقتها، إذ كيف لمتهم برعاية الإرهاب أن يكون طرفا في الحرب على الإرهاب.

أمر الخلاف بين طرفي احتلال العراق وارد وبقوة في الأيام القادمة بين الطرفين، ليس فقط لأن ترامب سيعيد تشكيل منظومة الرؤية والحركة الأمريكية في العراق –ضمن تغييرات أخرى في الإقليم والعالم - ولكن أيضا لأن عوامل القوة الإيرانية على أرض العراق مرتهنة بالتوافق مع المحتل الثاني في العراق، وهو إن تبدد أو حتى ارتبك لتغير مشهد الوجود الإيراني في العراق.

لقد انتهى شهر العسل الطويل بين إيران وأمريكا في أقل التقديرات، وفى انتهاء شهر العسل فرصة أمام دول الإقليم للتصعيد في مواجهة إيران، لكن بحذر وبخطة مدروسة لتحقيق المصالح العربية والإسلامية، حتى لا تصب الجهود العربية في خدمة المصالح الأمريكية.

خاص بموقع الهيئة نت

 


الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *