الحملة الوطنية لتوثيق الجرائم ... د. جاسم الشمري

  • مقالات
  • 836 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 07-02-2017 12:48 مساء

شاركت قبل يومين في ورشة لحقوق الإنسان في اسطنبول، أقامها مركز جنيف لحقوق الإنسان بالتعاون مع المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب، والغاية من الورشة معرفة كيفية توثيق الانتهاكات، وما هي مراحل التوثيق، والغاية منه.

تاريخياً، سعت الحضارات المختلفة إلى الحفاظ على الحقوق الإنسانية المتنوعة -وإن لم تُؤسس لها منظمات أو حتى وزارات- ومنها حقه في الحياة والحرية والصحة والتعليم، وغيرها من الحقوق الطبيعية. وحقوق الإنسان هي "ضمانات قانونية دولية ووطنية هدفها الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وحماية الأفراد من أي إجراءات تعيق تمتعهم بالحقوق ضمن ممارستهم لشؤون حياتهم اليومية".

ومفهوم التوثيق يُراد به: "عملية جمع وتصنيف جميع المعلومات المتعلقة بقضية، أو حادثة ما، من دون التلاعب بها". وللتوثيق ثلاث مراحل، هي:

- الرصد: ويقصد به مجموعة عمليات تجميع المعلومات والتحقق منها واستعمالها في سبيل معرفة واقع حقوق الإنسان في مكان ما. ويقع ضمن ذلك جمع المعلومات عن الانتهاكات في أماكن تجمع المواطنين، ومنها المعتقلات والسجون والأماكن الخاصة والعامة. والسعي إلى تحديد أماكن وتواريخ الانتهاكات باليوم والشهر والسنة، والتوقيت الدقيق كلما كان ذلك ممكناً. وكذلك معرفة الأسماء الكاملة للضحايا، وجنسهم وأعمارهم التقريبية، وذكر أعدادهم بدقة ومن دون زيادة، ومحاولة الحصول على تسجيلات صوتية ومرئية، والاحتفاظ بها كما هي من دون إضافات أو مؤثرات. وأيضاً السعي إلى رصد المشتركين في الانتهاك وذكر أسمائهم الشخصية أو الرسمية، وعدم تغيير تلك الأسماء الرسمية، أو المدعومة رسمياً، لأن تغيير الاسم ربما يُضعف الاتهام أمام القضاء.

- تقصي الحقائق: وهو عملية أضيق من الرصد، تستهدف استخلاص الحقائق بدراسة نتائج عمليات الرصد، بما يؤدي إلى التحقق من الادعاءات المحيطة بانتهاكات أو مخالفات معينة.

- التوثيق: وهو المرحلة الأخيرة. وهدفه بناء ملف متكامل عن انتهاكات معينة، يتضمن كل الوثائق والأدلة التي تثبت وقوع الانتهاك بالفعل. ويستخدم التوثيق لدراسة أنماط الانتهاكات، وملاحظة مدى تكررها وانتظامها، وسعة الحدوث، وطبيعة عمل المشاركين فيها.

والعمل التوثيقي فيه شروط أساسية، منها الإلمام بالمعايير الأساسية لحقوق الإنسان وكونها مكفولة محلياً ودولياً، وإدراك أن هذه الحقوق لا يمكن التنازل عنها، كما لا يمكن انتزاعها من الفرد لأي سبب كان.

وأيضاً معرفة الظروف والوقائع المحيطة بالانتهاكات، وفهم طبيعة الأطراف المنفذة. وكل ذلك ينبغي أن يكون بدقة ومهنية في نقل الوقائع، وبلا مبالغة، ومن دون إطلاق الأحكام، ولهذا ينبغي عدم التلاعب بالوثائق الأصلية، والاحتفاظ بها كما هي، كشهادات الوفاة والتقارير الطبية والصور وغيرها، والتوثيق هو الخطوة الأهم باتجاه العمل على إجراءات المحاسبة محلياً ودولياً، ولو بعد حين.

ولأهمية توثيق الجرائم الحاصلة باستمرار في العراق، دار في خلدي الدعوة إلى حملة وطنية شعبية لتوثيق جرائم الشخصيات والقوى الخارجة عن القانون بجميع مسمياتها، حتى يأتي اليوم الذي ينال فيه المجرمون عقابهم العادل، ويشارك في الحملة جميع المواطنين بلا استثناء، كل حسب إمكاناته وقدراته، من دون أن يعرضوا أنفسهم لخطر الملاحقة الإرهابية قدر الإمكان. وبالمحصلة، نكون أمام خزين هائل من الوثائق التي تثبت الانتهاكات، وتساعد في تطبيق العدالة لاحقاً.

حقوق الإنسان العراقي ضُربت حينما رُبطت بالملف السياسي، فصار الإنسان مجرد ورقة ضغط تستخدمها "الأطراف القوية ضد الطرف الضعيف"، وحينما يُعطى الإنسان بعض حقوقه المشروعة، نجد مسؤولين يتحدثون بمنّة كبيرة وكأنهم يمنّون على المواطنين بالحرية الشخصية، وبعدم الاعتقال التعسفي، وعدم تسليط المليشيات عليهم، وهذا أسلوب غريب يؤكد مدى الاستخفاف بالمواطن الذي هو الثروة الأكبر في البلدان الراقية.

الطريقة المثلى لتطبيق حقوق الإنسان -أي إنسان- تكون عبر حكومة قوية تستند إلى قانون لا يُحابي أحداً، ولا يُجامل المجرمين، ولا يتملق زعماء القتل والإرهاب، وإلا فإن الحديث عن حقوق الإنسان في بيئة قاتلة وطاردة ومُنَفِّرة وساحقة وجارحة للإنسان وكرامته، يُعدّ بحد ذاته إهانة لأهم حق للإنسان وهو احترام فكره وعقله، وبالنتيجة سنستمر في الدوامة ذاتها؛ دوامة الاستخفاف بالإنسان وكرامته وحياته، والقتل والإرهاب الرسمي.