ترامب ..البعد الآخر في تقسيم العراق ... طلعت رميح

  • مقالات
  • 1655 قراءة
  • 0 تعليق
  • السبت 28-01-2017 12:25 مساء

يكشف ترامب هذه الأيام عن بعد جديد في تطور خطة احتلال العراق حين يتحدث عن نهب أموال بترول وثروات العراق – علنا وبصلافة -، وحين يعلن عن عدم وجود حكومة معتد بها في العراق (وهي أمريكية الصنع كما هو معلوم)، وكذا حين يصعد من لهجته بشأن دور إيران في العراق.

وإذ يبدو لبعض المتابعين أن لا جديد في الأمر، فالعكس صحيح، بل نحن أمام مرحلة جديدة في العبث بالعراق؛ إذ الحديث عن نهب الثروات البترولية وعدم وجود حكومة يعتد بها، وعن دور إيران في العراق ليس إلا إيضاحا وترتيبا وبداية لخطوة جديدة في مخطط تقسيم العراق، باعتباره شرط لازم لإنجاز اللصوص مهمة سرقة واستنزاف ثرواته.

كما الحديث التصعيدي ضد دور إيران في العراق، لا علاقة له بالمقتلة الإجرامية التي تنفذها إيران ضد شعب العراق منذ سنوات طوال بترحيب أمريكي كامل، بل هو في صميم خطة تقسيم العراق لنهب ثرواته، وبالدقة نحن أمام إعلان أمريكي بنهاية الشراكة الاستعمارية (السابقة والمعتمدة) في حكم ونهب العراق، أو هو إعلان أمريكي بفتح المجال لإعادة التفاوض على نسب تقاسم المصالح الاستعمارية الأمريكية والإيرانية في هذا البلد، والتي كان الكثيرون قد تصوروا أنها صيغة انتهت إلى الاستقرار بعد الاتفاق النووي.

كان قرار احتلال العراق مقرونا ومرادفا لخطة تقسيم هذا البلد، كان التقسيم جزءا ومكونا رئيسيا في خطة غزو واحتلال العراق؛ إذ لا بقاء للاحتلال ولا تحقيق لأهدافه، إلا بتقسيم العراق - وهي قاعدة عامة في كل خطط احتلال واستعمار الدول - داخليا على الصعيد المجتمعي ومن بعد على صعيد الجغرافيا.

جاءت العمليات العسكرية التمهيدية – الاستباقية لعمليات تنفيذ الاحتلال خلال حرب الحصار وحظر الطيران فوق شمال وجنوب العراق - مرتبطة بخطة للغزو والاحتلال ولتحقيق ذات الهدف الاستراتيجي.

كانت عمليات الحصار والحظر الجوي في شمال وجنوب العراق بمثابة الأساس والخطوط العامة لكل ما جرى من بعد خلال عملية الاحتلال حتى خروج القدر الأكبر من القوات، بنفس القدر الذي يمكن القول – أيضا - بأن خطة الانسحاب وما تبعها من تنصيب حكومات وشخصيات بعينها أخطرها نوري المالكي – فضلا عن الخطوط العامة للعملية السياسية – قد جاءت جميعها مرتبطة بهدف التقسيم أيضا.

ومن يراجع كل مسيرة الاحتلال منذ وقت حظر الطيران وحتى الآن سيجد في داخلها خطا واحدا يجري العمل على إنمائه تكتيكيا واستراتيجيا ملخصه، صناعة خطان يفصلان الوسط عن الشمال والجنوب لتصبح البلاد مقسمة عبر منع الطيران العراقي من التحليق إلا في الوسط، وهو ما تكرست جهود الاحتلال لتحويله إلى خط فاصل طائفيا وسياسيا وجغرافيا بعد دخول قواته بغداد، وفي ذلك كان نمط العملية السياسية هو نمط يستهدف تقسيم المجتمع وإثارة الاضطراب والصراع والاقتتال في داخله، على خطوط التقسيم التي صنعتها القوات الجوية الأمريكية والبريطانية في الأعمال التحضيرية للغزو والاحتلال من بعد.

والآن يكشف ترامب عن بعد الارتباط بين خطة الغزو والاحتلال والتقسيم من جهة، وخطة نهب ثروات العراق من جهة أخرى، وفي ذلك يبدو واضحا بجلاء مواصلة ترامب تنفيذ الخطة الاستراتيجية الموضوعة منذ التسعينات بشان احتلال العراق.

لقد جرى النظر سابقا، لمحاولات تقسيم العراق من الزوايا الاستراتيجية المتعلقة بالخطة الشاملة الجاري انفاذها لتقسيم الدول العربية والدول الإسلامية، ومن زوايا العلاقات بين مكونات المجتمع العراقي وأوضاع المناطق الجغرافية وحالة توزع الثروات في جنبات العراق وتأثيرها على أوضاع التكوينات العراقية الثلاث بعد نجاح التقسيم، فإذا الرئيس ترامب يذهب إلى الربط بين التقسيم والسيطرة الأمريكية على الثروات في كل مناطق العراق بعد التقسيم، فهو لا يتحدث عن السيطرة والاستيلاء على البترول في الجنوب أو الشمال بل عن كل بترول العراق في كل المناطق، وهو يتحدث عن أن لا حكومة في العراق.

حديث ترامب المتجدد حول نهب ثروات العراق، وعن دور إيران في العراق، مرتبط ومتعمق في فكرة التقسيم للعراقيين؛ إذ التقسيم ليس إعادة انتاج لدول جديدة – إلا في ظاهر الأمر - أما في باطن العمق الاستراتيجي، فهو صياغة وضع استراتيجي يمكن الولايات المتحدة من السيطرة على كل مكونات الشعب العراقي وعلى ثروات العراق جميعها – في كل المناطق - ولذا هو تحدث عن السيطرة على الثروة وعن عدم وجود نظام حكم يمكن الارتكان عليه في القانون الدولي الذي لا يجيز نهب الثروة من الدول المنضوية تحت النظام القانوني للأمم المتحدة .

ترامب يقول للعملاء الذين لعبوا أخطر الأدوار في تقسيم المجتمع ودفعه للاقتتال وصولا للتقسيم – لا قدر الله - أن الولايات المتحدة لن تقسم العراق ليسيطر على كل قسم هذا الطرف أو ذاك، أو هذه النخب العميلة أو تلك، ويقول إن الأمور لن تترك لإيران في هذا القسم أو ذاك، هو يقول إن ثروة العراق لن تكون تحت سيطرة هذه المجموعة أو تلك، وإنما ستكون جميعها تحت يد الولايات المتحدة، هو يقول لهؤلاء الذين تصرفوا بمنطق سرقة الغنائم، لا تتصوروا أن ثروات العراق ستكون بأيديكم، وأن التقسيم لن يكون طريقا لإحكام سيطرتكم عليها، فالولايات المتحدة هي من يعينكم في "الدول الجديدة" وهي من سيستولي على الثروات.

هنا لا مراهنة على مواقف العملاء، فهؤلاء يتحركون وفق كل ما تمليه عليهم المصالح والقرارات الأمريكية، فهم موظفون في خدمة قرارات الاحتلال، وهنا لا مراهنة على مواقف إيران، بل القلق بشأن رد فعلها واجب النفاذ فورا؛ إذ سترد إيران بمزيد من تثبيت دورها وعملائها وبتشديد أعمال القتل – أكثر مما هي عليه -وبمضاعفة أداء نشاط أجهزتها الاستخبارية، وستزيد معدلات دعمها المالي والعسكري لميلشياتها في العراق (الحشد الطائفي).

ستعمل إيران بكل ما تملك من إمكانيات وستستخدم كل الوسائل القذرة لتثبيت دورها ونفوذها ومصالحها الاستعمارية في العراق.

المراهنة هي على الشعور الوطني والشعبي العراقي، وهو ما سيترجم – بإذن الله -في تسريع خطا تحقيق التوافق والبناء المجتمعي، وتشكيل تكتل وطني عميق لمواجهة طفرة السلوك الأمريكي.

ترامب ذاهب إلى التقسيم، بغرض تحقيق أعلى درجة سيطرة على مختلف أقسام العراق، وذاهب إلى انهاء "وجود أو دور" الحكومة التي تشكلت في العراق في زمن جورج بوش، وجرى دعمها في زمن أوباما وفق نمط تقاسم المصالح بين أمريكا وإيران؛ إذ مهمتها تكاد تكون قد انتهت أمريكيا.

هو سيذهب مسرع الخطا نحو تحقيق السيطرة الكاملة والمباشرة على ثروات العراق، بالتزامن مع تسريع خطا التقسيم.

وهنا، تظهر دلالات احتمالات عودة المالكي للحكم، وتصريحات مسعود البارزاني حول الذهاب إلى تقسيم العراق أو فصل الشمال الكردي، حال عودة المالكي للحكم. 

مقال خاص بموقع الهيئة نت