وجها لوجه: مناظرة بين مقاتلين، ايراني وعراقي

بعد مرور 25 عاما على بدء الحرب العراقية الايرانية، لازالت وجهات نظر كثير من الايرانيين والعراقيين اليها متباينة، ولا زالت تثير كثيرا من التساؤلات. من المسؤول عن اشعال الحرب؟ وما هو السبب في استمرارها لثمان سنوات؟ وما هي اخطاء الجانبين؟ وما هي الدروس التي يمكن تعلمها من هذه التجربة المريرة؟ توجهنا بهذه الاسئلة لمقاتلين، عراقي وايراني، شارك كل منهما في الحرب، وطلبنا منهما الاجابة عليها. ندعوك عزيزي القاريء لقراءة اجابات الرجلين، والتعليق عليها. كما ندعوكم الى المشاركة في حوار ايراني عراقي حول هذا الموضوع، اذ انه منشور ايضا على موقع البي بي سي باللغة الفارسية، وسيقوم قراء الموقع بالتعليق عليه. خالد النقشبندي - ضابط عراقي شارك في الحرب مع ايران تعريف: كنت ضابطا في الجيش العراقي في قوات المغاوير، وشاركت في معارك الشيب والطيب والفكة، وأصبت في ساقي جراء انفجار لغم وحدث لي اعاقة فيها. أنا من عائلة معروفة في العراق، فأبي كان عضو مجلس سيادة في عهد عبد الكريم قاسم. وأنا أخ لستة أخوة أربعة منا كانوا ضباطا في الجيش العراقي. • من المسؤول عن اشعال هذه الحرب؟ في رأيي ان الحرب كانت بسبب إيران، هذا على الرغم من كرهي الشديد لصدام حسين، ولكن اقول ان أيران هي التي بدأت بالإعتداء. في عام 1980 كان اخي نزار، الذي كان عقيدا يخدم في القوات العراقية العاملة على الحدود الايرانية، يقول ان هناك مناوشات على الحدود، وإيران تقصف القرى الحدودية للعراق، وأنا اتوقع حدوث حرب. كما اخبرني اصدقائي من قرية مندلي في محافظة ديالا على الحدود العراقية-الايرانية انهم اضطروا لمغادرتها بسبب القصف الإيراني عليها، وكل هذا قبل إندلاع الحرب بصورة رسمية. اما السبب الأقوى لاندلاع الحرب فهو ما جاء به الخميني الى ساحة السياسة في إيران، وتصريحاته عن تصدير الثورة. ومصطلح تصدير الثورة ليس أعتباطيا، فهو ناجم عن عقيدة يؤمن بها الخميني وهي فكرة ولاية الفقيه. ومع ان ايران هي السبب في الحرب، الا ان تعامل صدام مع الظرف كان خاطئا كعادته. فكان رد فعله قويا واجتاح الحدود بالرغم من أن القيادة العسكرية وكل الساسة في ذلك الوقت كانت نصيحتهم وتقريرهم الذي رفعوه الى صدام هو التحشيد وأخذ مواقع دفاعية. • لماذا استمرت الحرب فترة طويلة؟ السبب في اطالة الحرب هو ايران اساسا، كما ان صدام ايضا يتحمل جانبا من المسؤولية. هدف صدام دائما كان الظهور والضجة الاعلامية. صدام كان دائما يخالف النصيحة التي تسدى إليه بسبب إعتقاده أن المفاجأة هي فعل ما لا يتوقعه أحد لتكون لديه هالة في اجهزة الإعلام. كل المصائب التي خلفتها الحرب لم تكن تحدث لولا حماقة خميني أولا، وحماقة صدام ثانيا. • ما هي اخطاء الطرفين العراقي والايراني؟ صدام لم يدرس العسكرية يوما، ولكنه مع ذلك كان يصر على التدخل في كل شيء، والنتيجة سلسلة من الاخطاء الفادحة. وسأضرب مثالا لهذه الاخطاء. فشل الجيش العراقي في معركة الجمرة في منطقة الاهواز التي كان الهدف منها تقديم نصر يسعد صدام في احتفالات عيد الثورة، ولم يوافق عليها القادة العسكريون. وفشلت خطة الهجوم على الجمرة كما توقعوا وانتهت بكارثة، وامر صدام باعدام قائد الفيلق الذي شارك فيها وهو صلاح القاضي ومعه عدد كبير من الضباط يبلغ نحو 350 ضابطا منهم شقيقي العقيد الركن نزار النقشبندي. وعندما وجد صدام ان حالات الاعدام كثيرة بشكل لا يمكن ان يستمر والا انتهى كل الضباط العراقيين، وضع نظاما لمكافأة الضباط او عقابهم، وذلك عن طريق ترقية الضباط او احالتهم لرتبة ادنى بشكل استثنائي، الامر الذي ادى الى خلل عام في الجيش العراقي. ولك ان تتخيل ان قائدك برتبة عميد مثلا، ثم بعد شهرين يتم تنزيل رتبته الى نقيب ويصبح خاضعا لمن كان يقودهم! الايرانيون ايضا استغلوا سذاجة الناس وجهلهم. كانت الامواج البشرية من المتطوعين تأتي لتمر بحقول الالغام وتفجرها ويموت منها الآلاف, وبعدها يأتي الجيش الايراني النظامي ليشارك في الحرب بأقل الخسائر الممكنة. • ماذا تعلمت من هذه الحرب؟ اهم ما تعلمته من هذه الحرب ان الانظمة تتاجر بمشاعر المواطنين، وخاصة حب الدين وحب الوطن. لقد كان الامر كله لعبة، ومثلا عندما استعاد الجيش العراقي الفاو تم ذلك بشكل متفق عليه مع الايرانيين الذين انسحبوا في هدوء، فيما سوق الاعلام هذه المعركة على انها نصر عظيم. لذلك يجب ان نحذر جميعا ممن يتاجر بمشاعر الجماهير. محمد صادق جوادي حصار - مقاتل ايراني شارك في الحرب لسنوات تعريف: كنت طالبا جامعيا في مدينة مشهد عام 1980، وعندما اندلعت الحرب سارعت بالتوجه الى الخطوط الاولى للقتال مع مجموعة من اصدقائي، وشاركت في الحرب لسنوات. • من المسؤول عن اشعال هذه الحرب؟ لم تصدر اية هيئة رسمية مستقلة حتى الآن قرارا يضع مسؤولية اشعال الحرب فعليا على أي من الطرفين. غير ان هناك ادلة تشير الى ان الجيش العراقي هو الذي بدأها. في مرحلة التحضير للحرب كانت هناك عمليات عدائية عشوائية واشتباكات على الحدود بين الدولتين. وزعم صدام حسين وقتها انه دخل الحرب بسبب تدخل ايران في العراق. لكن المعروف ان الحرب بدأت رسميا بغارة جوية عراقية. اضف الى هذا ان النظام البعثي في العراق، خاصة في ظل حكم صدام حسين، كان يدعي ان له حقوقا في مناطق في ايران، وكان دائما ينتظر الفرصة لاعادة ما كان يصفه بـ \"الحقوق المسلوبة\" في ايران. وبعد الارتباك الطبيعي الذي شهدته ايران عقب قيام الثورة الاسلامية، والذي ادى الى وقوع اضرار في الأجهزة المدنية والعسكرية، شعر صدام حسين ان الفرصة مواتية ليحقق ما يريد، ويسيطر على الاقل على اجزاء من ايران، واعني بذلك اقليم خوزستان. اضف الى هذا ان القوى الدولية التي شعرت ان الثورة الاسلامية اضرت بها لعبت دورا مؤثرا في تشجيع صدام في الهجوم على ايران. • لماذا استمرت الحرب فترة طويلة؟ كان هناك معسكران داخل ايران خلال فترة الحرب: الناس العاديون الذين شعروا ان من واجبهم الدفاع عن بلدهم تجاه العدو المعتدي، وهؤلاء حاربوا باخلاص، لكن لم يكن لهم رأي في مستقبل الحرب. اما المعسكر الثاني فهو القادة ورجال الدولة الذين كانوا يتخذون القرارات الخاصة بالحرب، والذين كانت لهم آراء متباينة حولها. وكانت هناك قوى داخل كل من العراق وايران تعتقد ان الحق بجانبها، ولا يريضيها الا الدمار الكامل للطرف الآخر. وفي بداية الحرب اعتقد العراق والقوى الدولية التي ساندته انه من السهل هزيمة ايران، وان الحرب سرعان ما ستنتهي. لكن ايران اظهرت قدرتها على مقاومة ضغوط شديدة. واستطاع الجيش الايراني طرد الجيش العراقي من داخل ايران واستعادة منطقة خورام شهر. وفي هذا الوقت رأى بعض القادة السياسيين ان الحرب يجب ان تتوقف. غير ان قادة آخرين اصروا على استمرار الحرب حتى يتم اسقاط نظام صدام حسين. وهؤلاء القادة اقنعوا الامام الخميني قائد الثورة الاسلامية باستمرار الحرب. • ما هي الدروس المستفادة من هذه الحرب؟ كان صدام فخورا جدا بقوته العسكرية، واخطأ في تقدير قوة الايرانيين. لم يرغب صدام ابدا بصدق في السلام، ولم يكن من السهل دفعه في اتجاه المفاوضات او الوفاق. وفي اعتقادي ان الايرانيين كانوا يشعرون بالفخر الشديد بعد اجبارهم الجيش العراقي على الخروج من الاراضي الايرانية، وكان ينبغي وقتها التركيز على الدبلوماسية. اليوم يدرك الجميع طبيعة صدام العدوانية والعنيفة، وكان يمكن خلال الحرب ان نجعل العالم مدركا لذلك اذا اتجهنا للمؤسسات الدولية. غير اننا لم نبذل جهدا كافيا في هذا المجال. • ما هي الدروس المستفادة من هذه الحرب؟ تعلمت الامة الايرانية درسين كبيرين من هذه الحرب: اولا عرف الايرانيون مدى القوة التي يمتلكونها، وادركوا انهم يستطيعون القيام باشياء عظيمة طالما لديهم الثقة في النفس ووحدة الصف. ان ادارة الحرب في دولة خرجت لتوها من الثورة، وفي ظل الارتباك السائد وقتها لم تكن امرا سهلا. غير ان الحكومة الايرانية بقيادة رئيس الوزراء وقتها حسين موسوي استطاعت بكفاءة القيام بهذه المهمة. اما الدرس الثاني فهو ان الناس اعتادت على الوجه القبيح للحرب. لقد فقدت امتنا خيرة ابناءها في هذه الحرب التي حصدت آلاف الارواح، كثير منهم اسرى حرب، وحولت الآلاف الى معوقين. وبسبب الحرب دمرت اجزاء واسعة من ايران، ويتطلب الامر عشرات السنين لاعادة بنائها. ولكن ماذا عن الدمار الجسدي والعقلي، هل يمكن اصلاحهما؟ انا متأكد ان الايرانيين يفهمون الآن انه لا ينبغي ابدا الدخول في حرب اخرى ما لم تفرض الحرب عليهم. Bbc 22/9/2005