في ختام المؤتمر العلمي الثالث.. الشيخ العلامة (عبد الملك السعدي) يثني على جهود الهيئة ويستذكر مناقب أمينها العام الراحل

الهيئة نت ـ عمّان| اختتمت يوم الاثنين الخامس عشر من شهر نيسان/أبريل 2019؛ أعمال المؤتمر العلمي الثالث لهيئة علماء المسلمين في العراق الذي استمر ثلاثة أيّام تحت عنوان: الحركتان العلمية والفكرية في العراق في العصر الحديث، بمشاركة باحثين وأكاديميين من العراق وبلدان عربية وإسلامية.

وشهد اليوم الثالث والأخير من المؤتمر ثلاث جلسات بحثية قدم فيها ثلاثة وعشرون بحثًا ودراسة في ضمن محاور: الصّلات العلمية والفكرية بين العراق والحواضر الإسلامية والعربية، وعلم الاجتماع ودراسات الإعلام والتعريب والترجمة، والمخطوطات وخدمة التراث وفن الفهارس والمعاجم والخط العربي وجمالياته.

العلامة السعدي في ضيافة المؤتمر

واستقبل المشاركون في المؤتمر فضيلة الشيخ العلامة الدكتور (عبد الملك عبد الرحمن السعدي) الذي بارك لهيئة علماء المسلمين انعقاد مؤتمرها في ظل حرصها الشديد على حفظ التراث العراقي في المجالات العلمية والفكرية والثقافية، مستذكرًا بعض مناقب الأمين العام الراحل الشيخ (حارث الضاري) رحمه الله، الذي كان من أبرز طلبة العلم في حقبة دراسته في المدارس الدينية والكليات الشرعية.

وبيّن الشيخ السعدي أن الشيخ الضاري ـ رحمه الله ـ كان يقتفي خطى العلماء الأوائل أمثال الإمام الشافعي ممكن كانوا يحفظون المتون بطريقة خاصة أضفت عليهم صفة الدقة في الفهم، فضلًا عن خلقه العالي، وسعيه المستمر في صلة الجميع، مبينًا أنه كان لا يُقاطع أحدًا إلا لله وفي سبيله.

الجلسة الأولى: الصِّلات العلمية والفكرية

واستهلت الجلسة الأولى من اليوم الثالث والأخير للمؤتمر برئاسة الدكتور (حسام مشكور عواد) الأستاذ في كلية الإمام الأعظم في بغداد؛ بقراءة بحث بعنوان: (قضاة ومفتو الفرات الأوسط في القرن الرابع عشر الهجري)، للدكتور (يحيى صالح الطائي) الأستاذ في جامعة بارتن بتركيا، الذي قال: إن قضاة ومفتو منطقة الفرات الأوسط في العراق كانوا يعتمدون على الفتاوى الشرعية، وثوابت الشريعة الإسلامية في معالجة القضايا الدينية والقانونية.

وسلّط الدكتور (ناصر الفهداوي) من العراق الأضواء من خلال بحثه:: (مؤسسة الإفتاء في العراق في القرن الرابع عشر الهجري؛ تأسيسها وأعلامها ونهايتها) على المؤسسة المعنية بدراسته مبينًا أنه لم تعدو أن تكون منصبًا وظيفيًا تابعًا للحكومة، وخاضعًا لسياستها، ولم يكن لها الدور الذي يليق بها كمؤسسة أو كمنصب مهم في حياة المسلمين، مضيفًا أنه وقبل الاحتلال البريطاني للعراق؛ كانت مؤسسة الفتوى تتميز بوجود علماء ومفتين ذوي وزن كبير وأثر بالغ في المجتمع؛ ومنهم: أبو الثناء الآلوسي، وأمجد الزهاوي، ونجم الدين الواعظ وغيرهم، رحمهم الله جميعًا.

 أمّا البحث الثالث الذي شهدته الجلسة الأولى من اليوم الثالث؛ فهو (أثر علّامة العراق أبي الثناء الآلوسي في الأتراك، مع ترجمة دراسة سهيل صابان عنه) للباحث الدكتور (منير القوشجي) من تركيا؛ الذي أشار إلى أن اهتمام الأتراك قديمًا وحديثًا بأبي الثناء الآلوسي - رحمه الله -؛ نابعٌ من مكانته العلمية والأدبية الكبيرة في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي تركيا بشكل خاص، ووثق في هذا السياق محاضرة ألقاها الدكتور (فؤاد سزكين) رحمه الله بتأريخ 25/11/2011 في إسطنبول وذكر فيها مكانة بغداد في الحضارة الإسلامية، حيث عقّب عليه الأمين العام الراحل الشيخ (حارث الضاري) رحمه الله، بشكره على إنصافه لعلماء الأمة الإسلامية، ومنهم الآلوسي.

وقدّم الأستاذ (سليم بن صالح الحكيمي) رئيس فرع المنتدى العالمي للوسطية في تونس بحثًا بعنوان: (الشيخ عبد العزيز الثعالبي وأثره العلمي والفكري في العراق)، قال فيه: لم يكن العراق يومًا خارج دائرة الوجدان التونسي. وإن وشائج التاريخ بينهما عريقة كعراقة البلدين، ولذلك فلا غرابة أن يتجه الثعالبي إلى بغداد ليكون تدريسيًا في جامعة آل البيت في عشرينات القرن الماضي.. وأضاف: كان الثعالبي - رحمه الله - همزة وصل بين المشرق والمغرب العربي، وقريبًا من رواد الإصلاح الكبار من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده؛ ليكون أحد رجال الرعيل الأول في الإصلاح الإسلامي في الوطن العربي.

من جهته؛ قدّم الأستاذ في جامعة عين شمس بمصر الدكتور (وائل علي السيد)؛ بحثًا بعنوان: (المجتمع العراقي في كتاب ليلى المريضة في العراق للدكتور زكي مبارك)، مؤكدًا نجاح الكاتب ـ رحمه الله ـ بالتعريف بأحوال العراق، حيث وصف بمنتهى الدقة عادات الناس وما شاهده من تقاليد وآداب من خلال حضوره الندوات الأدبية، والاحتفالات التي التقى فيها بكثير من الشخصيات البارزة في العراق.

وآخر البحوث التي قُدمت في الجلسة الأولى من اليوم الثالث، قدّمه  الدكتور (ريبوار عبد الله الشواني) الأستاذ بجامعة سوران في أربيل، بعنوان: (الشيخ عبد الله البيتوشي وجهوده العلمية في الإحساء والبصرة)؛ الذي بيّن أنه سعى بجد إلى إنشاء صِلات وعلاقات علميّة بين الحواضر الإسلاميّة، وأنه كان دائم التنقّل بين كردستان والبصرة والأحساء، حيث استطاع بهذا أن يربط بين تلك الحواضر النواحي العلميّة والثقافيّة والاجتماعيّة.

ومن البحوث التي قُدّمت في إطار محور الجلسة الأولى؛ (العوائل العلمية البغدادية وأثرها في الإفتاء والقضاء) للدكتور (مهدي الجميلي)، وبحث (الصلات العملية والفكرية بين العراق والهند)، للأستاذ (محمد نور الحسن) من الهند، و(الصلات العلمية والفكرية بين العراق وبلاد الشام)، للدكتور (حسن المخلف)، فضلاً عن بحث بعنوان: العلماء العراقيون في الحجاز في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، للباحث (محمد الكوراني) من العراق.

الجلسة الثانية: علم الاجتماع ودراسات الإعلام والتعريب والترجمة

وترأس الدكتور (كامِران أورحمان مجيد)، رئيس قسم أصول الدين في جامعة السليمانية الجلسة الثانية التي افتتحت ببحث (النخب الدينية العراقية ومنظمات المجتمع المدني؛ الشيخ أمجد الزهاوي أنموذجًا)، من تقديم الدكتور (برزان ميسر الحامد) الأستاذ في جامعة الموصل، والذي بيّن أن العلامة (أمجد الزهاوي) رحمه الله امتلك روحًا وثابة للعمل الإسلامي، وأبرزَ هوية العراق الإسلامية، وعُرف بامتلاكه فكرًا حركيًا جعله يساهم في تأسيس العديد الجمعيات الدينية الاسلامية في بغداد، منها: جمعتي الهداية والآداب الإسلاميتين.

وكان للباحثين الإعلاميين دور في جلسة المؤتمر الأخيرة؛ حيث قدّم الإعلامي (لقاء مكي) بحثًا بعنوان: (صحافة ثورة العشرين) تناول فيه واقع العمل الصحفي حينما نشبت ثورة العشرين في القرن الماضي، حيث كانت الصحف العراقية آنذاك تنقسم ما بين صحف أصدرها الاحتلال البريطاني، وأخرى ذات طابع وطني دأبت على نقد الاحتلال.. فيما سلّط بحث الدكتور (رافع الفلاحي) المعنون بـ: (الرائد الصحفي إبراهيم حلمي العمر) مبنيًا أن العمر ـ رحمه الله ـ بدأ عمله الصحفي في وقت مبكر من حياته، وتبنى منذ بدايات عمله، الدفاع عن قضية حرية الرأي والتعبير، وعدّها الأساس في عمله وفي اختيار الصحف التي يعمل فيها.

وشهدت الجلسة قراءة بحث بعنوان: (علاقة الشباب بالمؤسسة الدينية العراقية المعاصرة، العهد الملكي أنموذجًا)، قدّمه الدكتور (أحمد سلمان المحمدي) الأستاذ في كلية الإمام الأعظم في الأنبار؛ بيّن فيه أن العلاقة بين المؤسسة الدينية المعاصرة والشباب اتسمت  بحالة من التردد نتجت عنها عقبات؛ بسبب التناقضات الفكرية، ومن أبرز هذه العقبات: تغييب الكوادر العلمية من الجيل الثاني والثالث عن قضية اتخاذ القرارات المصيرية التي تهم المسلمين، مضيفًا أن استشعار المؤسسة الدينية القديمة المتمثلة بالعلماء والفقهاء القدامى لواقع حال الشباب؛ أكسبها مزيدًا من الاحترام، وعزز الثقة والروابط بينها وبين المجتمع على وجه العموم، وشريحة الشباب على وجه الخصوص.

من جهته؛ قدّم الدكتور (طه الزيدي) رئيس مركز البصيرة للتطوير الإعلامي بحثًا بعنوان: (رواد الصحافة الإسلامية في العراق 1869- 1980)؛ سلّط فيه الضوء على الصحافة الإسلامية ودورها في تزويد الجماهير بحقائق الدين الإسلامي ونقل الأخبار والوقائع والمعلومات بصورة صحيحة ومنضبطة.

الجلسة الثالثة: المخطوطات والفهارس والمعاجم

أمّا الجلسة الثالثة التي بدأت أعمالها برئاسة الأستاذ (حارث الأزدي)؛ فقد قُرئت فيها بحوث متنوعة، من بينها: بحث الدكتور (قندوز ماحي) الأستاذ في جامعة تلمسان بالجزائر ذو العنوان: (حركة التحقيق وإخراج التراث عند علماء العراق في العصر الحديث)، والذي جاءت فيه شهادة الباحث بقوله: لا يسعنا إلا أن نسجّل مدى الإعجاب والانبهار بالرصيد الثقافي والعلمي الذي خلَّفَتْه الحضارة الإسلامية في بلاد الرافدين..، وأضاف: من الضرورة التركيز على تاريخ العراق في جميع جوانبه العلمية والثقافية والسياسية؛ للاستفادة من هذا الموروث الضخم؛ حفظًا لذاكرة العراق وأهله من الضياع، رغم المحن والمنغِّصات التي يمر بها هذا البلد في وقتنا الحاضر.

إلى ذلك قال الباحث والإعلامي العراقي (وليد الزبيدي) أثناء تقديمه بحثه الموسوم بـ (الترجمة في العراق وآفاق المعرفة في العصر الحديث): إن هناك مؤسسات اهتمت بحقل الترجمة، من أبرزها دار المأمون للترجمة والنشر، والتي بدأت نشاطاتها ضمن وزارة الثقافة العراقية مطلع ثمانينات القرن العشرين، وساهمت في إثراء المكتبة العربية بالكثير من الترجمات، قبل أن تُختم الجلسة ببحث عنوانه: (رقمنة مخطوطات الأُسر العلمية ودورها في حفظ تراثنا)؛ من إعداد الدكتور (عدنان عبد القادر الهَوْرَماني) الأستاذ في جامعة السليمانية الذي أشار إلى أن المخطوطات جزء هام من التراث الوطني لمختلف البلدان، وأن الحفاظ عليها يعني حماية الهوية بمختلف أبعادها في ظل ما يشهده العالم من تغيرات سريعة، ولاسيما مع ظهور وسائل التكنولوجيا.

ومن البحوث التي قُدّمت ضمن محور الجلسة الأخيرة: (المدرسة العراقية لفن الخط العربي في العصر الحديث) للدكتور (إدهام محمد حنش)، وبحث (هلال ناجي وجهوده في تحقيق التراث)، للأستاذ (محمد يوسف إبراهيم بنات)، من جامعة بيرزيت بفلسطين، وبحث (قاسم السامرائي الأمين على تراث أمته؛ دراسة في جهوده العلمية وخدمته للتراث) للأستاذ (عمّار شبيل) من الجامعة نفسها، فضلًا عن بحث (المجمعي محمود شيت خطاب وجهوده في تعريب المصطلح العسكري) للدكتور (أحمد قاسم كسّار) الأستاذ بكلية المجتمع في جامعة قطر، و(معجم علماء الأنبار) للدكتور (عمر عبد الوهاب الراوي) عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين في العراق.

وانتهت أعمال المؤتمر العلمي الثالث لهيئة علماء المسلمين في العراق بتكريم الباحثين والمشاركين من الضيوف والعاملين في اللجان التحضيرية، فضلًا عن تقديم الأستاذ الدكتور (مُجاهد مصطفى بهجت) درع معهد الدعوة العالمية في ماليزيا (بركيم)؛ للأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور (مثنى حارث الضاري)؛ على هامش الجلسة الختامية للمؤتمر، عرفانًا بجهود الهيئة وأمينها العام في المجالات العلمية والثقافية والدعوية.

الهيئة نت

ج