النفوذ الإيراني في العراق وتأثيره على البعد الثقافي.. محمد الگوراني

  • مقالات
  • 465 قراءة
  • 0 تعليق
  • الأحد 17-03-2019 03:52 مساء

النفوذ الإيراني في العراق وتأثيره على البعد الثقافي

بقلم: محمد الگوراني

شكّل الاحتلال الأمريكي للعراق عام "2003" فرصة تاريخية لإيران من أجل توسيع نفوذها في العراق، إذ بلغ تأثيرُها إلى كل مفاصل النظام السياسي العراقي في مرحلة ما بعد الحرب، حيث عملت على ترتيب الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية خدمةً لمصالحها، فجعلت منه مرتكزاً لتعزيز نفوذها الإقليمي من خلال توحيد الأحزاب التابعة لها في العراق؛ كي تتمكن إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة.

عمدت إيران بعد الاحتلال إلى التوغل داخل المجتمع العراقي، وجعلت منه هدفاً يسهّل تَدَخُّلَها في شؤونه السياسية دون أن تواجهها اتهامات مباشرة بالتدخل في البلدان ذوات السيادة. فبعد سيطرة الأحزاب الموالية لها على السلطة؛ اعتمدت إيران على تأجيج الصراع العقائدي في العراق، حيث جعلت موضوع التنافس بين المكونات محوراً للصراع السياسي؛ لضمان كسب الطرف المنحاز لها إلى صفّها.

وبسبب الفراغ الأمني والفوضى الذي عانى منه العراق؛ شرعت إلى توظيف الجانب المجتمعي عن طريق إنشاء منظمات ومؤسسات ومراكز الثقافية لعبت دوراً أمنياً واستخبارياً فاعلاً وواضحاً، فقد أدارتها وموّلتها بشكل مباشر، واعتبرتها الأداة الأكثر فاعلية وربما الأكثر خطورة من غيرها من المؤسسات الأخرى، خصوصاً بعد وصول الأحزاب والميليشيات الموالية لها وبعض الشخصيات السياسية إلى مناصب سيادية، حيث صرّح الرئيس الإيراني الأسبق "هاشمي رفسنجاني" بنجاح عمل هذه المنظمات بقوله: "إن طهران قد وصلت إلى ما تريده في العراق، باعتبار أن قادته في الوقت الحاضر هم من أصدقاء إيران".

سعت إيران بعد ذلك إلى ترويج النموذج الثقافي الإيراني داخل المجتمع العراقي، فوظّفت في جهوداً كبيرة في سبيل تحقيق ذلك، إذ أكد وزير الثقافة الإيراني السابق "محمد حسيني" استعداد طهران لتأسيس مركز في العراق "للتعريف بإيران"، وإقامَةِ دوراتٍ تدريبية لتعليم اللغة الفارسية في العراق، وبيّن ذلك خلال لقائِه وزير التعليم العالي في العراق الأسبق علي الأديب.

فتمّ في بغداد وغيرها من المحافظات افتتاح المركز الثقافي الإيراني تزامناً مع بدء الدورة الأولى لتعليم الفارسية للموظفين العراقيين، وكتابة سيناريو الأفلام القصيرة للشباب العراقي بمنهجٍ خفي يعكس الثقافة الإيرانية، وتعدد دورات تعليم الفارسية من برامج المركز الأساس والمستمرة، التي تقام للمراحل الثلاث؛ التمهيدي والمتوسط والعالي، وكذلك تأسيس الكثير من المؤسسات التي تعمل على جميع الجوانب -الإنسانية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتوعوية-، تحت غطاء ثقافي، كمؤسسات تجنيد الشباب، والمؤسسات ذات الواجهة الدينية.

وأوضحت تقارير متعددة وجود مخطط إيراني يرمي إلى بناء المئات من المدارس والمراكز الثقافية في جميع محافظات العراق؛ وذلك لترسيخ مفاهيم الأيديولوجية الثورية الإيرانية في أذهان أجيال من الأطفال، علاوةً على وجود مدارس متعددة في الوقت الحالي في مناطق الوسط والجنوب.

وأكّدت –هذه التقارير- أنّ المناهج المعتمدة في تلك المدارس تختلف تماماً عن المنهاج المقررة من قبل وزارة التربية في حكومة بغداد، مبيّنةً أنّ "أغلب الكتب الدينية والتاريخية التي توزع على الطلبة تحوي أفكاراً معادية لبعض الصحابة، فضلاً عن تدريس اللغة الفارسية والترويج للثقافة الإيرانية"، وكذلك استخدام مدرّسين مختصين يزرعون فيهم أفكار ولاية الفقيه، ويضللونهم بوقائع كاذبة ويوجّهونهم إلى التطرف.

وقد أكّد السفير الإيراني "إيرج مسجدي" خلال لقائه بوزير الثقافة في العراق "فرياد راوندوزي"، على ضرورة تعميق العلاقات الثقافية بين البلدين، حيث أشار إلى أنّ المرحلة القادمة ستشهد مزيداً من التوسع في العلاقات بين البلدين في المجالات الثقافية وصولاً إلى "المستوى المنشود".

وبعد ذلك التقى وزير التعليم العالي "عبد الرزاق العيسى" بالمستشار الثقافي الإيراني في العراق "غلام رضا أباذري" ليؤكد الأخير على أهمية العلاقات العلمية والجامعية بين البلدين، ولاسيما في محافظات الجنوب، حيث وصف هذه العلاقات بـ "تطوير الأواصر بين الشعبين".

ويأتي هذا كله بتوفير الغطاء الدبلوماسي لجميع هذه المؤسسات والمنظمات؛ ليصبح هدف كل تلك المؤسسات فرض الهيمنة الإيرانية على المجتمع العراقي من أجل تحقيق مشروعهم في البلاد، وزرع مبادئهم لتغيير طباع الناس وأفكارهم، وتوجيهها بالكيفية التي يريدونها.

ـ مقال خاص بموقع الهيئة نت.