حوار الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الدكتور (مثنى الضاري) مع موقع الخليج أونلاين

حوار الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الدكتور (مثنى الضاري) مع موقع الخليج أونلاين

بتأريخ: 14-03-2019 

 

مثنى الضاري: نهجنا لن يتغير ولا خلاص في العراق إلا بثورة شعبية

"الجسم الأكبر" للهيئة في داخل العراق

حوار خاص

 

إسطنبول - الخليج أونلاين (خاص)

منذ أن أعلنت عن نفسها عقب تأسيسها من قبل الشيخ حارث الضاري في 14 أبريل 2003، وهيئة علماء المسلمين في العراق تسير على سكة واحدة هو نهجها الذي لم تخرج عنه، على الرغم من الأضرار التي لحقت بها وبأعضائها من جراء هذا النهج.

 

فلا تعريف لها لأي وجود عسكري في البلاد منذ 2003 سوى "احتلال"، ومقاومته واجب شرعي وأخلاقي ووطني، ولا يمكنها المشاركة بأي عملية سياسية لا تؤمن بهذا المبدأ، ومبادئ أخرى تراها الهيئة تمثل دستوراً لإنقاذ البلاد والشعب بكل أطيافه من جميع المشاكل.

 الهيئة التي يتولى منصب الأمين العام فيها الدكتور مثنى حارث الضاري، بعد انتخابه عام 2015، قريبة جداً مما يدور في داخل العراق، بل هي تعمل على مستوى واسع بعيداً عن السياسة؛ من خلال الأعمال الإغاثية الإنسانية والإنسانية والاجتماعية.

 هذا القرب كان تأكيده "الميثاق الوطني العراقي" الذي أعلن عنه في 3 مارس الجاري، ويصف أمينها العام، مثنى الضاري، فقراته بأنها ليست جديدة وإنما هي تأكيد لرؤية قديمة متجددة تتأكد للهيئة والقوى الأخرى المتحالفة معها صحتها مع مرور الوقت؛ نظراً لما تمر به البلاد من أزمات خانقة، كانت قد حذّرت منها الهيئة في سنوات سابقة.

 في حديثه لـ"الخليج أونلاين" يقول الضاري، إن بنود الميثاق نوقشت في عدة لقاءات وحوارات مع قوى وطنية منذ 2015، وهو يتعلق بـ"وضع ثوابت وطنية عامة ينبغي العمل على أساسها".

 وحول الميثاق الذي كان ثمرة مراحل متقدمة، يؤكد الضاري أن النية كانت "تشكيل لجنة تتولى الدفاع عن قضية العراق والتعريف بها دولياً؛ فنحقق بذلك تعريف القضية، وجمع كلمة القوى الوطنية، ووضع معيار ثابت للمواقف والتحركات".

 لكنه يؤكد أن عدم التزام بعض الأطراف لأكثر من مرة به كان السبب وراء تأجيل الإعلان عن هذا الميثاق، دون أن يسمي هذه الأطراف.

 يقول الضاري إنهم وجدوا الظروف مواتية لإعلان الميثاق بعد ما شهدته الانتخابات التي جرت في مايو 2018 من مقاطعة شعبية كبيرة، والاستياء الشعبي من الأزمات التي يعاني منها العراقيون، وسخط الشعب من الحكومة، وخروج تظاهرات واسعة في أنحاء البلاد، ثم التحركات الأمريكية "الموهمة" في البلاد.

 "لذلك رأت اللجنة التنسيقية للميثاق أن الشعب بات مستعداً لسماع رأيها، ووفقه تم الإعلان عن الميثاق بصورته الحالية"، بحسب الضاري.

 وحول الميثاق يقول: "إنه المعيار بالنسبة لخلاص العراق، وكل من يرتضي هذا المعيار هو ساعٍ حقيقي لخلاص العراق بالطريقة الوطنية"، مشدداً بالقول: "كل من يريد أن يتحاور معنا فإن الميثاق الوطني هو بمثابة الدستور الوطني الذي نتحاكم إليه، ويعد معياراً للعمل الوطني، وسقفاً أدنى يتيح إمكانية أكبر للعمل التنسيقي من أجل خطوات مستقبلية".

 ونص الميثاق على عدد من النقاط؛ منها: "الالتزام بهوية موحدة للعراق، وأن يتساوى الجميع في المواطنة، والتمسك بوحدة العراق ورفض أي خطة ترمي إلى تقسيمه".

 الميثاق نص أيضاً على حق الشعب في اختيار "حكومته بإرادته الحرة"، والعمل على "مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية"، وضرورة "وضع دستور يحقق الهدف" في إقامة "نظام وطني سليم"، و "إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية وفق التقاليد الوطنية والحرفية"، وأن يتمتع المواطنون بالحقوق "المُقرة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".

 وأكد الميثاق أن "مقاومة الاحتلال حق مشروع، ولا بد من الاعتراف بجهود المقاومة العراقية ودورها في التصدي لمشروع الاحتلال وإفشاله"، في إشارة إلى احتلال العراق في 2003.

 

مستقبل العراق

تؤكد جميع المؤشرات أن خلاص العراق من الأزمات التي يعانيها موضوعة في خانة المستحيلات؛ وأكبر الأسباب في هذا هو الفساد المالي الكبير المنتشر في مختلف مفاصل الدولة.

 ذلك ما "استشرفته الهيئة منذ سنوات طويلة، من خلال عدة تصريحات ومواقف لأمينها العام الراحل الشيخ حارث الضاري (توفي في 12 مارس 2015)، الذي أكد أن انفجاراً شعبياً سيحصل، وأن تظاهرات من جراء سخط الشعب على الحكومة سيعم البلاد، وأنها ستقمع من قبل الحكومة، وهو ما حصل بالفعل"، وفقاً لمثنى الضاري.

 الضاري ذكر أن تصورات المَخرج من الأوضاع المأساوية في العراق، التي شخصتها الهيئة منذ عام 2012، لا تخرج عن ثلاثة وهي: "أولاً من خلال العملية السياسية، وهذا مستحيل، وثانياً بتغيير الواقع بأكمله، وهذا أدواته غير متوفرة حالياً، والثالث من خلال ثورة شعبية".

 وتابع قائلاً: إن "الحل الأقرب للواقع هو الثورات الشعبية، وقد قامت في العراق بعد 6 أشهر فقط من استشراف الأمين العام الراحل الشيخ حارث الضاري لها في منتصف 2012، وقد علمت الحكومة أهميتها وتأثيرها فعملت على قمعها"، مؤكداً أن "الثورات الشعبية هي ما تتوقع الهيئة وجميع القوى الوطنية الأخرى أن تكون سبب التغيير".

 مؤتمر إنقاذ العراق

من المقرر أن تعقد جهاتٌ سياسية عراقية قريباً مؤتمراً في أمريكا تحت عنوان "إنقاذ العراق"، ولكون الهيئة تسعى ضمن هذا الإطار فلا بد أن يكون لها رأي في هذا الخصوص، لكن الضاري يقول إنه لم توجه للهيئة دعوة لحضور هذا المؤتمر.

 وحول حضوره لمثل هذه المؤتمرات أو عدم حضوره، في حال وجهت إليه الدعوة، قال: "أي مؤتمر أو لقاء أو ندوة نعتقد أنها مجدية وحقيقية وفاعلة وفيها ملامح مشروع وطني للحل، وغير متداخلة مع خطط ومشاريع من لا يريد بالعراق خيراً؛ فإننا سنذهب".

 واستدرك قائلاً: "ولكن هذه الشروط والظروف غير متوافرة فيما يسمى مؤتمر واشنطن، وهو ما الذي لا يتناسب مع الطروحات الوطنية المعلنة، وقبل ذلك مع مقتضيات الواقع السياسية وظروف احتلال العراق، فضلاً عن مكان انعقاده في عاصمة دولة الاحتلال الأولى"، في إشارة إلى الولايات المتحدة.

 في جانب آخر يتعلق بـ"المصالحة الوطنية"، حيث أشيع مؤخراً وجود تحركات من قِبل حكومة بغداد لرفع الأحكام عن سياسيين بارزين مدروجة أسماؤهم ضمن "قائمة الإرهاب"، يلفت الضاري الانتباه بالقول: "إننا غير معنيِّين بهذا الأمر؛ هم يتحدثون عن شخصيات كانت مشاركة في العملية السياسية".

 وعلى الرغم من تأكيده عدم تلقيهم أي دعوة في هذا الخصوص، فإنه قال: إنه في حال وُجهت إليهم الدعوة "فإن موقفنا واضح ومعلن في هذا الشأن".

 وذكر في هذا الصدد أن "حكومة المالكي (2006-2014) اتصلت مرات عديدة بنا بشأن المصالحة، وكنا نقول لهم دائماً: إن المصالحة يجب أن تكون بين القوى السياسية، وليس بين الشعب العراقي، وإن هناك توصيات محددة في مؤتمر القاهرة نفِّذوها أولاً ثم تحدثوا بعد ذلك عن المصالحة".

 وعُقد مؤتمر القاهرة تحت عنوان "مؤتمر الوفاق الوطني العراقي" في نوفمبر 2015، وجاء في بيانه الختامي عدد من النقاط، كان منها ما يتعلق بالإفراج عن المعتقلين الأبرياء والتمثيل السياسي المتوازن والاحتكام إلى صناديق الاقتراع واحترام رأي الشعب العراقي.

 

تأثير الهيئة داخل العراق

عُرف عن الهيئة أنها تصدت للاحتلال الأمريكي ورفضت المشاركة في العملية السياسية وكانت لها شروطها في هذا الجانب، وتعرض أعضاؤها للاعتقال والقتل، وهو ما أجبر بعض أعضائها على مغادرة البلاد، وأصبحت "محظورة" في العراق؛ وجعل هذا عملها في الداخل يسير في إطار السرية.

 يقول الضاري: إن "الجسم الأكبر للهيئة داخل العراق؛ حيث يصل عدد الأعضاء في الداخل إلى ما نسبته 85%، وهذا يعني أن لها وجودها الأصيل وتأثيرها في الداخل".

 ولا يعني الضاري بالتأثير أن يكون سياسياً فقط، فهو يتحدث عن جانب إنساني كبير ألقته الهيئة على عاتقها لتقديم مساعدات إغاثية للنازحين والمحتاجين.

 وأكد أن الهيئة تقدم إغاثات ومعونات لجميع النازحين العراقيين في جميع المخيمات، وأن هذه المساعدات تقدَّم من خلال جهات تابعة للهيئة وغير معلنةٍ علاقتها بها، لكي تمارس دورها الإغاثي بِحرية، وأنها تقدم خدماتها بمخيمات النزوح في كردستان بشكل علني، "بعد أن تأكدت حكومة كردستان أن عمل الهيئة بعيد عن السياسة، وهمّه تقديم المساعدات الممكنة".

 الضاري أوضح أن الأعمال الإغاثية التي قدمتها الهيئة شملت بالإضافة إلى المساعدات المالية والغذائية والملابس والأدوية وعلاج المرضى، لا سيما الحالات المستعصية، بناء مدارس كرفانية وحفر آبار وفتح مراكز صحية، وتقديم الدعم للمدارس التي بنتها جهات أخرى.

 هذه المساعدات التي لم تتوقف منذ 2003 حتى اليوم، بحاجة إلى مصدر تمويل كبير، وهو ما يتفق عليه أيضاً الضاري، الذي يؤكد أن الهيئة ومن خلال القسم الإغاثي فيها، لم تتوقف عكس الجهات الأخرى التي لم تستطع الاستمرار.

 وأشار إلى أن مصادر التمويل هي من خلال الزكوات والصدقات والتبرعات التي تصل إلى الهيئة من داخل العراق وخارجه، مبيناً أن "سبب استمرار المتبرعين معنا يكمن في أنهم يرون عملاً إغاثياً حقيقياً من خلال توثيق الهيئة لأعمالها الإغاثية، وسعتها وتنوعها، فهي تشمل أيضاً النازحين في بلدان أخرى وليس فقط داخل العراق"، في تأكيد منه لوجود ثقل كبير للهيئة التي كسبت ثقة شريحة واسعة من العراقيين منذ نحو 15 عاماً.

 لكن هذا التأثير لا يمكن أن يظهر للعلن داخل العراق، بحسب الضاري، نتيجة حظر الهيئة؛ "فالتأثير الشعبي يحتاج حراك الشارع، وحراك الشارع يحتاج ظروفاً طبيعية للعمل، مثل وجود مقرات وسياقات للعمل وعدم وجود ضغط على هذه القوى العاملة ومطاردتها بحجة الإرهاب وغيرها من المشاكل التي نعانيها".

 ويصر الضاري على بقاء سير الهيئة على النهج ذاته؛ فهي لا تهادن في سبيل الدخول للعملية السياسية، ولا تكسب ودّ طرفي الصراع الدولي الأبرز في العراق (إيران وأمريكا)، لكون وجودهما في العراق أصبح واقع حال؛ سعياً لنيل القبول والعمل بِحرية داخل العراق مثلما فعلت قوى وشخصيات سياسية أخرى.

 لكنه يقول: "ليس كل أمر واقع يمكن التعامل معه، فواقع الاحتلال لم نتعامل معه وكذلك واقع العملية السياسية"، مشيراً إلى أن "الأصل ليس الرضى بالواقع، بل تغيير هذا الواقع، وعندما تحاول أن تغير الواقع لاعتقادك أنه غير صحيح، عليك أن تنعزل عنه، لكي تنجح في تغييره".

 

الهيئة والمسؤولية السُّنية

يرفض الضاري أن تُحشر الهيئة في خانة التوصيفات الطائفية التي ارتضتها المكونات السياسية الموجودة في السلطة، لكنه يقول: "إننا نضطر إلى أن نعمل فيها أحياناً وفي سياقات محدودة، لنحقق لأبناء أهل السُّنة والجماعة في العراق ما نرتضيه لهم كمواطنين".

 ويستدل بترفُّع الهيئة عن التسمية الطائفية، من خلال مساعداتها التي قدمتها -وما زالت- لنازحين شيعة وأكراد ومسيحيين.

 

رؤية الهيئة للصراع الأمريكي - الإيراني

في جانب آخر يلقي ثقله على الساحة العراقية، وصف الأمين العام لهيئة علماء المسلمين بالعراق الصراع الأمريكي-الإيراني بأنه "صراع حقيقي يتعلق بملفات عديدة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني والصواريخ بعيدة المدى"، مستدركاً بقوله: "لكن هذا الصراع لن يصل في المدى القريب أو المتوسط إلى ما يطمح إليه آخرون".

 وتابع يقول: "كل ما يجري لا يعدو وهْماً صُنع لأسباب وأهداف أمريكية إقليمية ودولية".

 الضاري يجد أن "حملة كبيرة تقودها إدارة ترامب لإيهام العالم بوجود مشكلة كبيرة يتم التعامل معها بجدية؛ سعياً منها لتحقيق عدة أهداف، من بينها تخفيف الضغط على الإدارة الأمريكية، والحيلولة دون اعتبار سحب القوات من سوريا فشلاً كبيراً، وذلك بتحويلها إلى العراق تحت ذريعة إنجاز مهمة متوهمة فيه وهي مراقبة النفوذ الإيراني، مستفيدة من بنود اتفاقية الإذعان"، في توصيف للاتفاقية الأمنية الأمريكية مع حكومة بغداد، التي أقرها مجلس النواب العراقي في نوفمبر 2008.

 ويرى الضاري أن الموقف الحالي بالعراق "جزء من مجموعة مشاكل في المنطقة، ليس بإمكان الإدارة الأمريكية حلها في وقت واحد، إذا أرادت ذلك فعلاً".

  

ـ الخليج أونلاين