قراءة في نمط إدارة الشيخ الضاري للصراع ضد الاحتلال.. طلعت رميح

  • مقالات
  • 182 قراءة
  • 0 تعليق
  • الجمعة 15-03-2019 11:29 مساء

قراءة في نمط إدارة الشيخ الضاري للصراع ضد الاحتلال

بقلم :طلعت رميح

رحم الله الشيخ الدكتور حارث الضاري، رحمة واسعة.

في ذكراه نحاول تقديم قراءة حول ما يمكن استنتاجه من رؤية الرجل لكيفية إدارة الصراع ضد الاحتلال؛ قراءة نحاول استخلاصها من مواقفه وخياراته التي أبداها في تلك المرحلة العصيبة من تاريخ العراق والأمة في مواجهة العدوان الهمجي الأمريكي والإيراني لتدمير العراق واحتلاله..علنا نوفق.

ومن متابعة الخطوط الرئيسية لمواقف الرجل يمكن استخلاص ما يلي:

أولاً: عدم الانعزال عن الجمهور العام

كثير من القادة الذين تصدوا للاحتلال في بلادهم ـ وخاصة عندما تندلع أعمال المقاومة ـ اختاروا الابتعاد عن أنظار الناس، وهو أمر ليس بالخطأ في العموم، لكن الشيخ حارث الضاري قرر واختار البقاء أمام أعين الجميع على أرض العراق، وهو في هذا الموقع أطلق مواقفه ودافع عن رؤاه الداعمة للمقاومة ضد الاحتلال المسيطر عسكريًا، وهو ظل على هذا الحال ثلاث سنوات ولم يغادر العراق إلا بعد صدور مذكرة بالاعتقال في عام 2006، وهو من بعد واصل القيام بدوره وعلنًا أيضًا.

هنا كان للشيخ الضاري رمزية ودور وتأثير أساسي ومباشر في إدارة الصراع عبر التفاعل مع الأحداث والتطورات.

  ثانيًا: رفض عسكرة عقل المقاومة

كانت المقاومة عسكرية، لكن فكرها وعقلها لم يتعسكر، والفارق بين أن تقوم المقاومة بدور عسكري وبين أن يتعسكر عقلها وفكرها؛ هو الفارق الذي شكله دور الشيخ حارث الضاري، حيث كان يطرح فكرة المقاومة ويدافع عن شرعيتها ويطرح مشروعها السياسي لتحرير العراق من الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

وهو ما جعل الجانب الوطني والفكري والسياسي حاضرًا دومًا في المشهد، بما ضبط الموقف السياسي للمقاومة ومنع انزلاق فكرة وحالة المقاومة العسكرية إلى مهاوٍ سقطت فيها حركات أخرى بالمنطقة.

ظل الشيخ حارث يطرح المشروع السياسي للمقاومة في كل المحافل السياسية والإعلامية، بما حافظ على النقاء الوطني للمقاومة.

ثالثًا: ثبات الموقف بما يراكم ويطور الجهود:

من تابع مواقف الشيخ الدكتور حارث الضاري، يجد أن العمل العلني وطرح الأفكار، سواء في داخل العراق ثم خارجه، لم يغير من مواقف الرجل ولا في لهجته ولا المصطلحات التي استخدمها، إذ ظل ثابتًا في مواقفه وكلماته منذ بداية الاحتلال وحتى رحيله؛ وهو ما حقق لجهاد ونضال ومقاومة الشعب العراقي موقفًا ثابتًا، وتلك أحد أهم عوامل مراكمة الجهود وتوحيد الموقف الوطني العام.

ذلك أمر هام في إدارة الصراع، حيث تغيير المواقف وتبديل المصطلحات يُحدث ارتباكًا في أذهان الجمهور العام، ويضعف حشد الجهود في مسار واحد وفي اتجاه مستقبلي محدد.

كانت مواقف الشيخ الدكتور حارث الضاري قاطعة، ولم تتغير أبدًا سواء من مقاومة الاحتلالين الأمريكي والإيراني أو من رفض المشاركة وإسباغ الشرعية على العملية السياسية، فشكلت آراؤه ومواقفه ثوابت للحركة الوطنية العراقية.

رابعًا: إطلاق المواقف المدروسة وفي توقيتات حاسمة

لا يزال حديث الشيخ الدكتور حارث الضاري يرن في أذني على إحدى الفضائيات، حين تصدى لتسخيري وهزم مشروع الحرب الأهلية ما بعد التفجيرات الإجرامية للمخابرات الايرانية في سامراء.. كانت كلمات الرجل محسوبة بدقة ومعلوماته والأرقام التي ساقها مدققة؛ وهنا كان لرمزيته الوطنية ودفاعه عن المقاومة التأثير الحاسم في منع انزلاق الجمهور العام داخل مؤامرة الحرب الأهلية التي نسجتها إيران بموافقه ودعم إمريكي في ذاك التوقيت.

خامسًا: عمومية الموقف من الاحتلال أيًا كان

أدرك الشيخ حارث طبيعة اختلاف معالم قوة الاحتلالين الإيراني والأمريكي وطبيعة تأثير كل منهما على أوضاع العراق وجهود التحرير، لكنه طرح موقفًا عامًا واحدًا وموحدًا من كل احتلال؛ رأى أن الاحتلال الأمريكي هو أصل كل الشرور، وفي واقع الحال لم يكن لإيران أن تحتل العراق إلا بفعل الاحتلال الأمريكي، لكنه لم يهادن أي المحتلين تحت عناوين المرحلية أو العدو القريب والبعيد، ورفض كل احتلال أيًّا كان مصدره ونوعيته وأدرك تخادم الاحتلالين وارتباط وتعاون كل منهما مع الآخر منذ وقت مبكر، وظل يدفع تلك الفكرة للجمهور العراقي لتحصين المجتمع وبناء وتوحيد الموقف الوطني العام.

ذلك التقدير في إدارة الصراع، حسم الأمر لدى قطاعات كثيرة من النخب والجمهور العراقي، وهو شكل قاعدة أساس لفكرة الوطنية العراقية التي تتبلور يومًا بعد آخر ونراها مجسدة في شعار (إيران برّه برّه) الذي تردد صداه في المناطق التي تصورت إيران ترحيبها بالاحتلال الإيراني.

سادسًا: العمل الجماعي المنظم على أساس وطني

أدرك الشيخ الضاري معضلة حل الاحتلال لكل المؤسسات الوطنية العراقية، وأمسك بالفكرة الرئيسية لإدارة المواجهة، وهي أن تتحرك من خلال عمل الجماعة المنظم، فالمهام الضخمة تحتاج إلى حشد كل الجهود على أساس وطني، وهو لم يتأخر في ترجمة ذلك فور وقوع الاحتلال، ولذلك لم تكن مصادفة أن تتشكل هيئة علماء المسلمين في أبريل عام 2003، كرد مباشر وفوري.

 

ـ مقال خاص بموقع الهيئة نت.