تقرير قسم حقوق الإنسان: الموصل كأَن لم تغنَ بالأمس.. إهمال حكومي متعمد ونفوذ ميليشياوي متنامٍ

الموصل كأَن لم تغنَ بالأمس
إهمال حكومي متعمد ونفوذ ميليشياوي متنامٍ


مضى عامان على استعادة مدينة الموصل؛ وما تزال أكوام الركام والأنقاض تملأ شوارع المدينة، لا سيّما المدينة القديمة منها، التي بلغت نسبة الدمار فيها 100% ، وهي تحتضن جثث الآلاف من سكانها الذين قضوا قصفاً تحت أنقاض منازلهم، والسلطات المحلية تدّعي عدم امتلاكها المعدات الكافية لإزالة هذه المخلفات بسبب خسارتها لمئات الآليات خلال الحرب، وسط تقارير تؤكد قيام مكتب المحافظ الحالي بإبرام عقود رفع أنقاض وهميّة أو مع شركات يتم الاتفاق معها مسبقاً على تقاسم الأرباح ودفع الرشى، وهذا ما أكّده عدد كبير من السكان المحليين الذين التقاهم مندوب قسم حقوق الإنسان في الهيئة بمناطق عدة، والذين قالوا له: الشركات التي يتم استئجارها لرفع أكوام الركام من قبل المحافظة غير موجودة وإن وجدت فإنها تعمل ببطء أو بشكل متقطع بمدد طويلة دون أن يحاسبها أحد، في الوقت الذي يتذرع فيه المحافظ بعدم وجود ما يكفي من المال المخصص لتمويل إعادة تأهيل المدينة.

ومازال أيضًا أغلب السكان في المدن المستعادة، لاسيما الموصل، يكافحون للحصول على ما يسد الرمق وسط غياب سبل العيش وانعدام فرص العمل؛ فالأسر العائدة من النزوح لا تجد منازلها قائمة بعد أن دمرها القصف العنيف، فتُجبر على إعادة بناء أو ترميم منازلهم الخاصة؛ الأمر الذي يضطرها إلى أن تقترض من الأقارب أو الأصدقاء، علماً أنها باتت تعيش على ما تقدمه لهم الجهات الخيرية. واقترض يونس حسن (67 عاما) تسعة آلاف دولار من أصدقائه لإعادة بناء ما أمكن من منزله المدمر في البلدة القديمة المطلة على ضفة نهر دجلة المليئة بالركام.

وآخرون من أهالي الموصل تُلزمهم الظروف لاستئجار أماكن سكن مؤقتة، لكن هذا الخيار مكلف على نحو متزايد. وسط تعثر واضح للمشاريع الممولة خارجياً بسبب الفوضى المدمِّرة التي تعيشها المناطق المستعادة وغياب خطط استراتيجية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع؛ ما يقضي على جهود إعادة الإعمار بالتزامن مع الفساد المستشري بجميع الدوائر الحكومية دون استثناء، مما يجعل التعافي بطيئاً جداً أو مستحيلاً في أحيان كثيرة.

وقال عدد من أصحاب المتاجر في الموصل لمندوب قناة (الرافدين) الفضائية في برنامج خاص عن الموصل بثته القناة: إن إعادة بناء المدينة على الورق فقط، ولا توجد دولة هنا، والفساد في كل مكان. وقالو أيضًا: تتم إزالة الأنقاض بشكل عشوائي وغير مجدٍ، وهناك بعض الأحياء المدمرة تماما لا يوجد فيها حل حتى اليوم، والسلطات المحلية لا تستمع لمن يسأل لماذا عملية (إعادة الإعمار) بطيئة. في حين قال بعض موظفي بلدية الموصل لمندوب القناة: يقدّر حجم الحطام والأنقاض الذي خلفته الحرب بنحو 9 ملايين طن متري، وأن أكثر من نصف هذا الحجم لم يتم رفعه حتى اليوم.

وفي الوقت الذي بيّنت فيه منظمة الأمم المتحدة أن التكلفة المقدرة للعام الحالي من أعمال إعادة البناء في الموصل تبلغ 1.8 مليار دولار؛ تم -وفقاً لنواب حاليين من الموصل- تخصيص مبلغ 520 مليون دولار فقط، ضمن ميزانية العراق لعام 2019 لإعادة إعمار المدينة. 

وقال مستشار في المنظمة الأممية: من المعيب أن يأتي المال من الخارج مع ثروة العراق النفطية العظيمة. وقال: هناك إفراط واضح في الإنفاق من قبل السلطات على أعمال لا تحتاج مبالغ عالية أو مددًا طويلة. مثلاً: اطلعت على تنفيذ هدم أحد المباني المتضررة، وهو عمل يجب ألا يستغرق سوى أياما قليلة، وتكلفته لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات في كل الأحوال، في حين أخذ هذا العمل أشهراً طويلة ومبالغ طائلة.

في حين أعلنت الحكومة في العراق قضاء (تلعفر) التابع لمحافظة نينوى منطقة منكوبة، مع أن البنية التحتية في تلعفر لم يصبها أي أضرار فضلاً عن دمار؛ ترفض هذه الحكومة إلى تأريخ هذا التقرير إعلان أن مدينة الموصل مدينة منكوبة؛ الأمر الذي يوجّه كل الدعم المالي واللوجستي لقضاء تلعفر دوناً عن غيره، ويؤثر بشكل مباشر على توفير التخصيصات المطلوبة لمدينة الموصل، علماً أنه وفق المعطيات الحالية تشير التقديرات الأولية إلى أن المدّة المتوقعة للبدء في عملية إعمار حقيقية وشاملة لا تقل عن عقد كامل من الزمن من هذا التأريخ، هذا إذا توفرت سلطات نزيهة جادة في إعادة بناء ما دمرته الحرب والمعارك في العراق.

إن بقايا حطام المنازل من الحديد والألمنيوم والمركبات المدمرة والأسلحة والآليات التالفة أو المعطوبة وغيرها من مخلفات المعادن باتت مصدراً لتمويل الميليشيات المدعومة من إيران حيث تحقق لها تجارة الخردة عشرات الملايين من الدولارات –بحسب قول مصادر محتلفة، منها مصادر خاصة في الموصل لمندوب قسم حقوق الإنسان في الهيئة- وذلك بعد أن سيطرت تلك الميليشيات على هذه التجارة التي راجت بعد انتهاء الحرب، وهذا ما أكده عدد من أصحاب معامل الحديد الصلب وتجار الخردة وغيرهم من المطلعين على هذا المجال. 

ونقلاً عن تلك المصادر؛ فإن ميليشيا الحشد تستخدم نفوذها المتنامي للتحكم في الأسواق المحلية ونقل المعادن من المدن المتضررة، عبر شمال العراق إلى إيران حيث يتم بيعه هناك بأضعاف سعره الـمُشترى به، ومن ثم صهره وتحويله إلى فولاذ، لتتم إعادة بيعه في الأسواق العراقية بأسعار منافسة لاكتساح سوق الحديد في البلاد وتحقيق الثروة والتمويل المطلوب لبقائها.

وقال صاحب معمل لصهر الحديد، لم يذكر اسمه خوفا من بطش الميليشيات: إن الميليشيات تسيطر بقوة السلاح على معمله بشكل كامل مقابل إعطائه مبلغاً مقطوعا زهيداً جداً لا يكفي حتى لصيانة الآليات والمكائن. وقال: تقوم الميليشيات بجمع الحديد الخردة بتكلفة لا تتعدى 40 دولاراً للطن الواحد؛ ليتم صهره وتحويله إلى حديد خام، بعدها يتم نقل الحديد الخام إلى إيران وبيعه مقابل 200 دولار للطن. وقال صاحب المعمل إنه مضطر للسكوت حفاظاً على حياته وحياة أسرته.

وقد أكد عاملون كثيرون في مجال الخردة تعامل الميليشيات مع أغلب أصحاب مكاتب بيع الحديد في المدن المستعادة، الذين قالوا أيضاً إن هناك مناطق مدمرة مغلقة للميليشيات يجري استخلاص بقايا الحديد منها مثل قضبان الحديد، وأسقف المباني المدمرة، وأُطر الأبواب والشبابيك، إلى جانب حطام السيارات والمركبات المدمرة، حتى يتم الانتقال إلى مناطق أخرى بعد الانتهاء من استخلاص ما أمكن، وهذا ما أكده عدد من السكان المحليين في بعض المناطق المنكوبة.

وفي محافظة الأنبار، غرب بغداد، كانت هناك كومة كبيرة من السيارات المعطوبة وبقايا المنازل المدمرة التي يمكن رؤيتها من الطريق السريع الرئيسي بالقرب من مدينة الفلوجة، حيث كان القتال على أوجه في عام 2015. وقال بعض العاملين بهذا المجال: إن ميليشيا الحشد تُشرف على نقل الحديد الخردة من محافظة الأنبار إلى إيران شمالاً عبر أو جنوباً عبر البصرة. وقال أحد السائقين: ميليشيا الحشد حصراً هي الجهة التي تعطي الإذن بنقل الخردة. وقال: الميليشيات تقوم بنقل الحديد الخردة في شاحنات خاصة بها، وهذا ما أكده تجار حديد محليون.

إن هذه التجارة هي إحدى الطرق التي تسلكها ميليشيا الحشد، التي أصبحت جزءًا من قوات الأمن الحكومية، لتحويل سيطرتها على الأراضي التي استولت عليها إلى مصدر للثروة؛ الأمر الذي من شأنه زيادة التأثير للميليشيات التي تدعمها إيران، التي باتت تؤمن ممر أراض عبر العراق وسورية إلى لبنان والبحر الأبيض المتوسط.

ويلقى ناشطون حقوقيون ومراقبون اللوم على العملية السياسية الحالية في إفساح المجال أكثر للميليشيات الموالية لإيران لتحقيق هيمنتها الكاملة على المشهد العراقي، حيث باتت تلك الميليشيات في ظل المحاصصة الحزبية والطائفية تشكل تكتلات سياسية قوية لديها عشرات المقاعد في البرلمان الحالي، على الرغم من علم الجميع بضلوع تلك الميليشيات بانتهاكات وجرائم ضد المدنيين في العراق وامتلاكها زمام القوة والسطوة واستغلال تداعيات الحرب وما خلفته من دمار وخراب، فضلاً عن استحواذها على الحقول النفطية والمصادر المحلية الأخرى لصنع ثروات تقدر بمئات الملايين من الدولارات.

قسم حقوق الإنسان
2/ رجب/ 1440هـ
9/ 3/ 2019م