العُقوباتُ العَشْر لآكلِ الرِّبا ... عبد الرحمن سعد

الحمدُ للهِ الذي أباحَ لنا من المكاسبِ أَحَلَّها وأزكاها وأقوَمَها بمصالح العِبادِ وأولاها، وحرَّمَ علينا كُلَّ كَسْبٍ مَبنِيٍّ على ظُلْمِ النُّفوسِ وَهَوَاها، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له خَلَقَ الخليقةَ وبَرَاها، وبيَّنَ لها طُرُقَ رُشْدِها وهُدَاها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أزكى الخليقةِ عبادةً ومُعاملةً وأتقاها، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وأصحابهِ ومَن تبعهم بإحسانٍ وسلَّمَ تسليماً.

 أما بعد: فيا أيها الناسُ اتقوا الله تعالى، واحذروا أسبابَ سَخَطِه وعقابه، واحذروا الرِّبا فإنه من أسبابِ لعنةِ الله ومَقْتِه، ومن كبائرِ الإثمِ التي رتَّبَ الله عليها عُقوباتٍ في الدنيا والآخرة، فمن ذلك:

1-    أن آكلَ الرِّبا مُحاربٌ لله تعالى: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 278، 279]، قال ابنُ عَبَّاسٍ: (يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لآكِلِ الرِّبَا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ) رواه الطبري.

2-    أن آكلَ الرِّبا ملعونٌ: فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: («لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ») رواه مسلم.

3-    أن آكلَ الرِّبا مُتشبِّهٌ باليهود: قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 160، 161].

4-    أن آكلَ الرِّبا مُتشبِّهٌ بأهل الجاهلية: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) رواه مسلم.

5-   أن آكلَ الرِّبا يسبح في نهرٍ من دمٍ في البرزخ حتى تقوم الساعة: قال صلى الله عليه وسلم: (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) رواه البخاري.

6-    أن آكلَ الرِّبا يُبعثُ يوم القيامة مجنوناً يُخنق: قال تعالى ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].

7-    أن مالَ آكلِ الرِّبا ممحوقٌ: قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة: 276] وقال صلى الله عليه وسلم: (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ) رواه الإمام أحمد وصححه الذهبي، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إلاَّ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ) رواه ابن ماجه وحسنه ابن حجر، وقال ابن هبيرة: (وكذلك الربا فإن صاحبه يَتخيَّل أن ماله يزداد والله من ورائه يَمحقه) انتهى.

8-    أن الربِّا من المهلكات: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: («اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ») رواه البخاري ومسلم.

9-    أن الرِّبا أعظَمُ من الزِّنا: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (الرِّبَا ثَلاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا ، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ) رواه الحاكم وصحَّحه ووافقه الذهبي، وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ، أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني، قال الشوكاني: (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْصِيَةَ الرِّبَا مِنْ أَشَدِّ الْمَعَاصِي؛ لأَنَّ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي تَعْدِلُ مَعْصِيَةَ الزِّنَا الَّتِي هِيَ في غَايَةِ الْفَظَاعَةِ وَالشَّنَاعَةِ بِمِقْدَارِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ بَلْ أَشَدُّ مِنْهَا، لا شَكَّ أَنَّهَا قَدْ تَجَاوَزَتْ الْحَدَّ في الْقُبْحِ) انتهى.

10-  أن ظُهورَ الرِّبا من أسباب حلول العذاب: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (ما ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الزِّنَى وَالرِّبَا إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ) رواه أبو يعلى وجوَّد إسناده المنذري.

فاتقوا اللهَ عباد الله، واحذروا من الرِّبا لعلكم تُرحمون، فلا خيرَ في رِبْحٍ بمعصيةِ الله، واسلكوا ما أحلَّ الله لكم من البيع لعلكم تُفلحون.

♦   ♦  ♦

* أيها المسلمون: من الرِّبا أنَّ بعض الناسِ يشتري الذهبَ ولا يُسلِّمُ ثَمَنَه للبائع، بل يُؤخِّرُ تسليمَه عن مجلس العقدِ، وهذا حرامٌ، سواءٌ جعل الثمنَ مُقسَّطاً أم غير مُقسَّطٍ، بل الواجب أن يتقابضا قبل التفرُّق، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ) رواه مسلم.

* وأمَّا الْحِيَلُ على الرِّبا فأنواعٌ كثيرةٌ قديمةٌ وحديثةٌ  ... (فمن أنواعها الحديثة: أنَّ الرجل يحتاجُ إلى سيارةٍ مثلاً فيأتي إلى التاجر فيقول له التاجرُ: اذهب إلى أيِّ معرضٍ أو إلى المعرض الفُلانيِّ واخترِ السيارة التي تُريدُ وائتني بما يلزمُ من إجراءات البيعِ، فإذا فعل المحتاج ذلك اشتراها التاجرُ من المعرض بثمنٍ حاضرٍ ثم باعها على المحتاج بأكثرَ من ثمنها من أجل التقسيط، وهذه حيلةٌ واضحةٌ لا يَمْتري فيها مَن تأمَّلها.

 * ومن المعاملاتِ المحرَّمةِ: ما يُعرف باسم التأجير المنتهي بالتمليكِ، مثل أن يأتي الرجلُ إلى التاجرِ فيتفقُ معه على أخذِ سيارةٍ بأجرةٍ معلومةٍ زائدةٍ على أجرتها المعتادةِ لمدة كذا، فإذا أدَّى الأُجرةَ في هذه المدَّةِ كانتِ السيارةُ له، وإن لم يُؤدِّها ولو في آخرِ قِسطٍ سَحَبَ التاجرُ السيارةَ ولم يُرْجِعْ من الأُجرة شيئاً بحجَّةِ أن المستأجرَ إنما سلَّمَ أُجرةً لا ثَمَناً،  فلا تصح هذه المعاملةِ لمخالفتها القواعدَ الشرعيةَ من وجْهٍ، ولِما تشتملُ عليهِ من ظُلْمٍ من وَجْهٍ آخرَ) .

 كفاني الله وإياكم بحلاله عن حرامه، وأغنانا بفضلهِ عمَّن سواه، آمين، اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، واحمِ حَوْزَةَ الدِّين، واجعلْ هذا البلَدَ آمناً مُطْمَئناً وسائرَ بلادِ المسلمين , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين .