بسبب آفة الفساد .. تفاقم ظاهرة المشاريع الوهمية والمتلكئة في العراق

تُعد ظاهرة المشاريع الوهمية والمتلكئة التي تتكشف يوما بعد آخر في مختلف المحافظات العراقية، إحدى بوابات الفساد التي يقف وراءها المسؤولون في الكتل والاحزاب المشاركة في العملية السياسية الحالية والذين يتسابقون في نهب وسرقة أموال الشعب العراقي المظلوم الذي يرزح تحت وطأة الفقر والحرمان ونقص الخدمات في بلد ما زال يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي بالعالم.

فقد تسببت المشاريع الوهمية والمتلكئة منذ عام 2003 في هدر وسرقة مئات المليارات من الدولارات، حيث يقوم المسؤولون عن ملف المشاريع بتزوير عقود مع شركات وهمية، او من خلال تمرير مناقصات المشاريع الى العصابات المنظمة التي تقف خلفها جهات متنفذة تهيأ لها أجواء سرقة ونهب المال العام، ما اثر بشكل كبير على اقتصاد البلاد، وجعلها تعتمد على المنح والقروض الخارجية لسد العجز المالي.

وفي هذا السياق، أكد خبراء اقتصاديون أن المشاريع الوهمية والمتلكئة أصبحت ظاهرة طبيعية في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ عام 2003 .. عازين اسباب تلكؤ المشاريع الى استشراء آفة الفساد المالي والاداري والمحسوبية وتداخل الصلاحيات والروتين، إضافة إلى الصراعات السياسية وعدم محاسبة الفاسدين المتورطين بسرقة المال العام وعلى رأسهم المتنفذين في السلطة الحالية.

الى ذلك، كشفت ما تسمى هيئة النزاهة في تقارير لها نشرتها مؤخرا، النقاب عن وجود (148) مشروعاً متلكئا في محافظة نينوى، نحو 60% منها خاص بالمياه الصالحة للشرب وشبكات الصرف الصحي .. مشيرة الى ان كلفة المشاريع المتلكئة في مدينة الموصل بجانبيها الأيمن والأيسر بلغت أكثر من (500) مليار دينار.

واكدت الهيئة المذكورة ان مجمل المشاريع المتلكئة التي رصدتها في محافظة التأميم، بلغت (197) مشروعا تنوَّعت بين الطاقة الكهربائية وبناء المستشفيات والمدارس والملاعب الرياضية والمجمعات السكنية والتجارية والسياحية والفنادق ومجمعات الماء وشبكات المجاري وغيرها .. لافتة الانتباه إلى أن من بين تلك المشاريع إنشاء مستشفيين بكلفة أكثر من (170) مليون دولار أمريكي، كما تم رصد (86) مشروعا لم تبلغ نسبة الانجاز فيها (صفر%).

وفي محافظتي صلاح الدين وديالى، اقرت هيئة النزاهة الحكومية بوجود تلاعب وهدر للاموال وتلكؤ في تنفيذ المشاريع .. موضحة ان عدد المشاريع المتلكئة والوهمية في صلاح الدين وصلت الى نحو (600) مشروع بكلفة اجمالية بلغت اكثر من تريليوني دينار، فيما وصل عدد المشاريع المتلكئة في ديالى الى (400) مشروع بلغت كلفتها مئات المليارات من الدنانير.

وفي محافظة المثنى، رصدت هيئة النزاهة (132) مشروعاً متلكئا بينها بناء مستشفى سعة (400) سرير، وتأهيل محطة كهرباء الشرقي الثانويَّـة .. مُوضحةً ان أبرز المشاريع التي لم تفتح فيها قضايا جزائيَّة حتى الان هو العقد الذي ابرمته وزارة الكهرباء الحالية مع إحدى الشركات الأجنبية لتنفيذ مشروع إضافة نظام الدورة المُركَّبة (1X4 9E) بكلفة (524) مليون دولار، وإنشاء محطة توليد السماوة الغازية بقدرة (750) ميكا واط، إضافةً إلى تجهيز معدات وفحص ومد خطوط الشبكة مع المُغذِّيات، وتأهيل وتجهيز عددٍ من محطَّات التحويل.

اما في محافظة بابل، فقد رصدت الهيئة (262) مشروعاً متلكئا بكلفة إجمالية وصلت إلى (756) مليارا و(934) مليون دينار، فتحت قضايا جزائيَّة في (160) مشروعاً منها وصلت المبالغ المرصودة لها إلى أكثر من (511) مليار دينار، فيما لم يتم فتح قضايا جزائية بـ(102) مشروع، تجاوزت مبالغها الـ(245) مليار دينار بينها (56) مشروعاً لم تتجاوز نسب الإنجاز فيها الـ(1%).

وفي محافظة كربلاء تم رصد (274) مشروعاً متلكئا بلغت المبالغ المخصصة لها خمسة مليارات دولار، بينها مجمع أبنية، ومشروع محطة ضخ (الرزازة) والطريق الجنوبي، ومجمع بوابة كربلاء ومشروع تدوير النفايات وتوليد الطاقة الكهربائيَّـة، اضافة الى مجمعات رياضية وترفيهية، فيما تم توثيق (496) مشروعا متلكئا في محافظات النجف وميسان وواسط بكلفة اجمالية بلغت نحو ترليونين و (500) مليار دينار.

كما كشفت هيئة الزاهة، النقاب عن وجود (309) مشاريع متلكئة في محافظتي البصرة وذي قار، بكلفة أكثر من ترليونين وسبعة مليارات دينار، بينها بناء مجمعات سكنيَّـة وإنشاء جسور ومُجسَّرات ومشروعات الماء والمجاري، إضافةً إلى مشاريع بناء عدد من المدارس ورياض الأطفال، وإنشاء وتأهيل عدد من الشوارع والأرصفة.

الى ذلك، اعترف (فالح الخزعلي) عضو مجلس النواب الحالي، بسرقة وهدر ملايين الدولارات كانت مخصصة لانشاء مستشفيات في عدد من المحافظات منذ عام 2008، ولم تنجز حتى الان .. موضحا ان هناك ست مستشفيات كلفة الواحد منها (150) مليون دولار في محافظات البصرة وكربلاء والقادسية وبابل والمثتى تم التعاقد مع شركات تركية والمانية لتنفيذها منذ عام 2008 وكان يفترض اكمالها خلال عام 2012، الا انها لم تنجز حتى الان.

بدوره، أكد الخبير الاقتصادي (صالح الهماشي) ان عدد المشاريع المتلكئة أكبر بكثير مما تعلنه هيئة النزاهة الحكومية، اذ توجد مئات المشاريع الاستراتيجية والاستثمارية والبحثية التي يشوبها الفساد الكبير لم تتطرق اليها الهيئة في تقاريرها المتواصلة، بينها مشاريع لم تتجاوز نسب انجازها الـ(5%) وبعضها الـ(صفر%) بالرغم من صرف مبالغ طائلة للشركات والمقاولين الذين رست عليهم عطاءات تنفيذ تلك المشاريع.

وازاء ما تقدم ، يتأكد للقاصي والداني بان آفة الفساد المالي والاداري المستشرية في العراق الجريح منذ ابتلائه بالاحتلال المقيت وحكوماته المتعاقبة تقف وراء هدر المال العام وتوقف آلاف المشاريع الخدمية والاستثمارية التي تم تخصيص مليارات الدولارات لتنفيذها، في الوقت الذي ما زال المسؤولون في هذه الحكومات يلتزمون الصمت ازاء هذه المشاريع التي كان من المؤمل ان تساهم في تحفيف معاناة العراقيين التي تزداد سوءا يوما بعد آخر.

وكالات + الهيئة نت

م