إدارة الصراع في زمن اختلال الموازين.. طلعت رميح

  • مقالات
  • 595 قراءة
  • 0 تعليق
  • الإثنين 17-12-2018 02:41 مساء

إدارة الصراع في زمن اختلال الموازين

بقلم: طلعت رميح

حين تتغير موازين الموازين.. تتغير أنماط إدارة الصراعات.

أما حين تضطرب أوضاع التوازنات وتجري عملية عميقه لإعادة تشكيلها وفق صراعات معقدة متعددة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية - وعلى فترة زمنية ممتدة - تصبح أنماط إدارة الصراعات –عند البعض-جد مضطربة ومتناقضة وتصل حد الجمع بين السلوك وعكسه إذ تسود حالة ازدواجية المواقف.

مثل تلك الأوضاع تتطلب التمتع بالفكر والرؤية الاستراتيجية والقدرة على التعامل مع حالة تعدد الأعداء والخصوم، وإعادة تقييم سبل وأنماط إدارة الصراعات، من قبل القائمين على فكرة التغيير والقادرين على حماية المقومات الأساسية للمجتمعات والدول.

وذلك هو جوهر ما يجرى إنجازه في الحالة الراهنة في مختلف بقاع الأمة؛ إذ تتطلب المواجهات الحالية، الجمع بين الحفاظ على الثوابت، والتعامل بأدوات صراع متعددة في السياسة والإعلام، وإدارة العلاقات المجتمعية وفق حزمة آليات وأدوات متنوعة وبعضها غير مسبوق اعتمادها، كما تتطلب نمطًا معقدًا من تحديد الأولويات وتنوع أشكال إدارة العلاقات خلال نفس المرحلة وبين فترة وأخرى إذ يجرى التغيير بإيقاع سريع وانقلابي.

لقد شهدت الحالة العربية والإسلامية وضعية شديدة الخطر خلال مرحلة ما بعد احتلال العراق.

كان الاحتلال بداية دخول دول استعمارية عديدة متناقضة الأهداف على خط وجود الدول وتحديد مصائرها، وعلى خطوط إعادة ترتيب التوازنات داخل المجتمعات لمصلحة المجموعات الموالية للمستعمرين على اختلاف مصالحهم.

لقد عاشت المنطقة في حرب احتلال العراق تجربة عودة الاحتلال المباشر بالقوة العسكرية بما تطلب إعلاء القضية الوطنية المباشرة واعتماد أسلوب واستراتيجية المقاومة، وشهدت المنطقة حدوث اختلالات لمعادلات التوازن الإقليمي المستقرة لفترة طويلة، وبشكل خاص بعد تطور الحالة الاستعمارية في ايران، التي فتح الطريق لها لإحداث انقلابات متوالية في مصير الدول وفي التوازنات الداخلية في المجتمعات، وهي حالة تمددت بأبعاد شديدة الدموية في بلدان عديدة وهو ما طرح إعادة ترتيب أولويات المواجهة وتحديد أنماط متعددة للمواجهة في ذات الوقت خاصة بعدما شهدت دول عربية ظاهرة الربيع العربي التي ووجهت بقسوة بالغة حولت مسارها.

وضمن حالة الارتباك، شهدنا توجهات شديدة البراغماتية في مواقف الدول العربية من قضايا وتفجيرات الدول الأخرى وفي علاقاتها الدولية والإقليمية، إذ تجد دولة تأخذ موقفًا هنا ونقيضه في قضية أخرى، وهناك تعاون مع تيار في بلد وعداء لنفس التيار في بلد آخر، والبعض وجد مصلحته في البقاء بتغيير المواقف الثابتة تاريخيًا في السياسة الخارجية وإعادة ترتيب علاقاته مع دول كانت تعتبر عدوه من قبل، وعلى حساب قضايا عربية وإسلامية أخرى.

وما زاد من حالة الارتباك واعتماد توجهات وسياسات ومواقف متناقضة، أن جرت تلك التطورات الجذرية في بلداننا وفي قوة الدول المحيطة بإقليمنا، بالترافق والارتباط مع تطورات وتغييرات في الوضع الدولي، عاد فيه العالم إلى حالات الصراعات المفتوحة، وغير واضحه المعالم، لتعدد القوى الدولية الفاعلة بما يذكرنا بالمرحلة التي عاشها العالم في مرحلة ما قبل الحرب الباردة بين قطبين محددين في العالم، يصطف فيها العالم بقواه السياسية ودوله مع أو ضد أحد القطبين.

وأضاف أبعادًا إرباكية، أن تحولت الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغط عسكري وسياسي ومالي وعلى صعيد القانون الدولي ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني بل ضد حلفائها الثابتين في المنطقة، وكذا بعد أن صارت روسيا في موضع المحتل الشرس..الخ. وبعد أن عادت الدول الأوروبية إلى ممارسة نشاطها الاستعماري التقليدي، وكذا بعد دخول الصين كطرف في الصراعات على طريقتها.

وهكذا جرى انقلاب شامل في حالة المجتمعات والدول والتوازنات والعلاقات الإقليمية والدولية وتأثيراتها على الدول والتيارات والجماعات في العالم الإسلامي، بما تطلب إعادة التفكير في خطط واتجاهات وأدوات وطرق إدارة الصراعات، بين ما هو داخلي وما هو عربي وإسلامي وما هو دولى، وقد كانت محاولة الانفصال الكردية عن العراق –وتفكيكه- نموذجًا شديد الدلالة على ضرورة القراءة شديدة التدقيق في حجم التغييرات، فقد دخلت القيادة الكردية الانفصالية تلك التجربة، تحت تأكيدات بتوجه الولايات المتحدة نحو تقسيم العراق، واستنادًا إلى دعم ومساندة  أخطر الدول تأثيرًا على المواقف الغربية (الكيان الصهيوني)، وفي ظل حسابات وضعت في الحسبان ما آلت إليه حالة العراق من فوضى شاملة، غير أن المحاولة فشلت، والحال في اليمن شاهد أشد دلالة، على صعوبات الأوضاع والحسابات الكلية.

في ظل الأوضاع الراهنة يتعدد الأعداء والخصوم وتتداخل ملفات الصراعات، بما يتطلب جهودًا مضاعفه في حسابات إدارة الصراع وآلياته وأدواته.

 

ـ مقال خاص بموقع (الهيئة نت).