أهمية التفريق بين الوعد والوعيد... د. عمر مكي

أهمية التفريق بين الوعد والوعيد

د. عمر مكي

يعد ثراء اللغة العربية واتساع مفرداتها ودلالة معانيها أمرا مسلما بين الموافقين والمخالفين ويكفي للتدليل على سموها ومكانتها بين لغات البشرية جميعا أن الله تعالى اختصها بأن تكون لغة كتابه الكريم، فقال جل وعلا:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[يوسف: ٢] ومما يطرب النفس ويستعذب به الدرس هو الكتابة عن التفريق بين مفردات العربية ومن هذه المفردات كلمتا الوعد والوعيد وقد ضلت فرق وزاغت قلوبهم وبصائرهم بسبب إهمالهم معرفة التفريق بين هاتين الكلمتين فالوعد أصل دلالة معناه يكون بالخير والوعيد أصل إطلاق معناه يكون بالشر[1]؛ ولذلك فإن الله تعالى لا يخلف وعده وأما الوعيد فإن خلفه مدحا ويسمى عند العرب عفوا قال كعب بن زهير –رضي الله عنه- في بُرْدته:

أنبئت أن رسول الله أوعدني

 

   والعفو عند رسول الله مأمول[2]

فسمى كعب –رضي الله عنه- خُلْف الوعد عفوا.

ولخفاء الفرق في هذين الموضعين انتحل أهل البدع مذاهب منحرفة لجهلهم بالفرق بينهما، قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بين عبيد لما قال له:

إن الله لا يخلف وعده فقال له أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت إن هذا وعيد لا وعد فالخلف في الوعد عند العرب لؤم وفي الوعيد كرم

وأنشد على ذلك بيتي عامر بن الطفيل:

ولا يرهبُ ابن العم ما عشتُ سطوتي

 

ولا أختتي[3] من صولة المتهددِ

وإني –وإن أوعدته أو وعدتُهُ-

 

لمخلف إيعادي ومنجزٌ موعدي[4]

 

ثم قال أبو عمرو بن العلاء: فأين أنت من قول العرب: إن الكريم إذا أوعد عفا وإذا وعد وفى[5]

وقد ذمت العرب من يفي بوعيده وليس الصفح من سجيته ولا العفو حشو بردته وقد قال الشاعر البراء بن قبيصة:

كأن فؤادي بين أظفار طائرٍ

 

من الخوف في جو السماء مُعلَّقِ

حذار امرئ قد كنت أعلم أنه

 

متى ما يعدْ مِن نفسهِ الشرَّ يصدقِ[6]

 

ولا خلاف بين أهل اللغة أن العفو عن الذنب بعد تقدم الوعيد لا يوجب ذم المتوعد ولا يجعل خبره كذبا وكيف لا يحسن العفو من الله تعالى وقد أمرنا به وحضنا عليه[7] فالوعد حق الخلق على الله تعالى ولذا فهو أحق من وفى والوعيد حقه سبحانه على خلقه وهو أحق من عفا.

ويستثنى من ذلك كل وعيد جعله الله تعالى نصرا للأنبياء والمؤمنين ووعدهم به فإنه يكون وعدا لا يجوز خُلفُه[8] كما حكى الله تعالى عن صالح –عليه السلام- لثمود: {فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}ﱠ[هود: ٦٥] فقد أرجأ الله تعالى عقوبة ثمود ثلاثة أيام ثم أنزل عقوبته عليهم وسماه وعدا.

فبسبب عدم التفريق ظهرت الوعيدية قال الإمام أبو الحسن الأشعري –رحمه الله تعالى- (وأما الوعيد فقول المعتزلة فيه وقول الخوارج قول واحد؛ لأنهم يقولون: إن أهل الكبائر الذين يموتون على كبائرهم في النار خالدون فيها مخلدون غير أن الخوارج يقولون: إن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الإسلام يعذبون عذاب الكافرين والمعتزلة يقولون إن عذابهم ليس كعذاب الكافرين)[9].

وقال أيضا:

(وأجمع أصحاب الوعيد من المعتزلة أن من أدخله الله النار خلده فيها)[10] ثم قال: (وأجمعت المعتزلة القائلون بالوعيد أن الأخبار إذا جاءت من عند الله ومخرجها عام كقوله: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: ١٤] وقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ – ٨]  فليس بجائز إلا أن تكون عامة في جميع أهل الصنف الذي جاء فيهم الخبر من مستحليهم ومحرميهم وزعموا جميعا أنه لا يجوز أن يكون الخبر خاصا أو مستثنى منه والخبر ظاهر الإخبار والاستثناء والخصوصية ليسا بظاهرين، وليس يجوز عندهم أن يكون الخبر خاصا وقد جاء مجيئا عاما إلا ومع الخبر ما يخصصه أو تكون خصوصيته في العقل)[11]

فكل هذا الضلال كان بذرة حصوله ومنطلق ظهوره هو عدم التفريق الحقيقي بين الوعد والوعيد فيما قاله الله تعالى فيمن عصاه، ومن أجل ذلك جعل المعتزلة من أصولهم الخمسة إنفاذ الوعيد وعدم خلفه وجهلوا التفريق بين الوعد والوعيد، وقد أحسن من قال:

 

خُلْفُ الوعيد حميد لا يُذمُّ به

 

ولم يكُ خُلْفُ موعودٍ بمحمودِ[12]

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ينظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 1058.

[2] ديوان كعب بن زهير –رضي الله عنه- بشرح السُّكري:19.

[3] أختتي بالخاء أي وأستتر خوفا.

[4] ينظر: ديوان عامر بن الطفيل: 58.

[5] ينظر: التبصير في الدين للاسفراييني: 188.

[6] تعليق من أمالي ابن دريد: 83.

[7] ينظر: التمهيد للباقلاني: 401.

[8] ينظر: إيثار الحق على الخلق لابن الوزير:348.

[9] مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، تحقيق هلموت ريتر: 124.

[10] مقالات الإسلاميين:274.

[11] مقالات الإسلاميين: 276.

[12] ينظر: ديوان المعاني لأبي هلال العسكري: 2/84.