حوار خاص مع الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الدكتور مثنى حارث الضاري

 

حوار الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور (مثنى  حارث الضاري) مع برنامج (لقاء خاص) على قناة الرافدين الفضائية

بتاريخ 16/7/2018م

 

-الانتخابات التي جرت في العراق وصفت بالمهزلة، هل هي كذلك بالنسبة إليكم؟

الأمين العام: نعم هي كذلك، وهذا الوصف ليس جديدًا، فوصف (المهزلة) وصف قديم أطلقناه نحن وغيرنا على العملية السياسية منذ ساعاتها الأولى سنة 2003، وها هي فصولها تؤكد أن هذه المهزلة أو المسرحية -كما قلنا في بياننا الأخير عنها- لها في كل مرحلة فصل جديد، وكل فصل من هذه الفصول تتكامل فيه صورة هذه المهزلة، وهذه المأساة، وهذا الضحك -للأسف- على العراقيين.

-وصف المهزلة ليس جديدًا، ولكن ربما الجديد هو حجم المقاطعة الاستثنائي والغريب والمفاجئ لكثيرين، وما صاحب الانتخابات من حرق الصناديق وغير ذلك.

الأمين العام: وصف المهزلة ينطبق على ما جرى  أثناء الانتخابات، وكيف أديرت وما يتعلق بالتزوير والتلاعب الكبير الواضح والصريح فيها، ومن ثم محاولة تغطية هذه الجريمة بحرق الصناديق وتدمير آلات العد والفرز، هذه هي المهزلة؛ أما المقاطعة فقد كانت هي الفصل الحقيقي الجميل المعبّر عن قناعة العراقيين بعدم جدوى العملية السياسية، والمعبر أيضًا عن تنامي الشعور والمزاج العراقي برفض العملية السياسية ومخرجاتها -ومنها الانتخابات-. وهذه دلالة وعي على أن هناك نضجًا لدى الشعب العراقي الآن، وأنه بدأ يعي تمامًا أن هذه الانتخابات لن تُحقق له شيئًا، ولن تأتي له بالخير؛ ومن هنا كان الفعل الشعبي الكبير والتوجه لمقاطعة الانتخابات حتى بدون وجود جهات دافعة أو داعية للمقاطعة، ومنها على سبيل المثال: الهيئة؛ إذ لم ندعُ إلى مقاطعة الانتخابات؛ اكتفاءً بالحملات الداعية إلى مقاطعتها، فأردنا أن نترك الأمر هكذا حتى يكون فعلًا هو شعور الشعب، وإرادته وخياره، وهذا ما حصل؛ إذ لم تبلغ نسبة المشاركة (20%) أصلًا.

-نحن اليوم أمام تنامي شعبي لرفض العملية السياسية بعد نتائج هذه الانتخابات، وبالمقارنة مع الانتخابات السابقة؛ لم تكن نسبة المقاطعة بهذا الحجم.

الأمين العام: في السابق كانت نسبة المقاطعة كبيرة أيضًا ولكن ليست بهذا الحجم، فضلًا عن أنه في ذلك الوقت كانت هناك عوامل تغطية كثيرة على موقف المقاطعة، وكانت أشكال المهزلة ليست بهذا الظهور العلني الواضح، الذي وصلنا فيه إلى مرحلة قصوى في الاستخفاف بمشاعر الشعب العراقي. فضلًا عن ذلك؛ فقد جرّب العراقيون الانتخابات الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وكأنهم يتوقعون أن الانتخابات مرة بعد مرة يمكنها أن تقلل من حجم السوء الموجود، وإذا بها تعود بهم -كما قالوا هم وليس نحن هذه المرة- إلى المربع الأول، وهذا المصطلح أصبح قديمًا الآن إذ نحن الآن فيما قبل المربع الأول.

-هل ما جرى فيه رسالة من الشعب العراقي إلى الطبقة السياسية أو المشاركين في العملية السياسية في العراق؟

الأمين العام: هي رسالة واضحة وصريحة، عبّر عنها فعل المقاطعة ودل عليها التعبير الشعبي عن أسباب المقاطعة، فأين ما توجهت الآن في العراق من خلال وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي أو باللقاء المباشر مع الناس؛ تجد بأن حديث الناس عمّا يجري في البلاد من مآسٍ؛ هو الطاغي،  فإذن أثبت الشعب الموقف، وعبّر عنه بهذه الطريقة.

وأنا من هنا -في هذا اللقاء- أوجه التحية لشعبنا العراقي الذي أثبت للعالم أجمع أن هذه المهزلة لا يمكن لها أن تمر عليه بهذه السهولة بعد اليوم.

-من المفارقات في هذه الانتخابات؛ دخول الميليشيات المسلحة فيها، وجل هذه الميليشيات مصنفة على أنها إرهابية لدى كثير من الدول والمنظمات.. فكيف تنظرون إلى هذه الخطوة وهذا المستجد في العملية السياسية في العراق؟

الأمين العام: في الحقيقة هو ليس أمرًا مستجدًا؛ بل قديم منذ نشأة العملية السياسية، إذ كان للميليشيات حضور فيها؛ لأن الأحزاب المؤسِّسَة للعملية السياسية بالرعاية الأمريكية والدعم الإيراني هي في الأساس أحزاب ميليشياوية، وكانت تستصحب مع وجهها السياسي ميليشيات عسكرية، وعلى أساس هذه الميليشيات تم تشكيل ما يُسمّى بـ: (الجيش العراقي) بعد الاحتلال.

وهذه المرة توسعت الظاهرة ودخل إليها ما يُسمّى بـ(الحشد الشعبي) وهو ميليشيات طائفية معلنة ومحمية، وتكفّل رئيس حكومة الاحتلال السادسة برعايتها وإضفاء الشرعية عليها. وهي متهمة بالإرهاب؛ بل والغة فيه، وهذا ليس كلامنا نحن أو كلام باقي العراقيين فقط، وإنما بشهادات دولية وإقليمية، ومع ذلك؛ يُغض النظر عنها، وتدخل بقوة في العملية السياسية وتصبح صاحبة سطوة في مجلس النواب، وهذا الأمر غير موجود في كل البرلمانات ومجالس النواب في العالم التي فيها أوضاع مستقرة أو يدخلها من يُتهم بالإرهاب، ولكن من يمارس الإرهاب قولًا وفعلًا وتنفيذًا، ليلًا ونهارًا وبدعم إقليمي ودولي ثم ينزع البدلة العسكرية ويدخل البرلمان ببدلة مدنية؛ فلا أحد يتكلم عنه! وهذا ما يحصل الآن في العراق.

-بعد الانتخابات؛ هل أصحبت إيران أكثر تحكمًا في المشهد العراقي؟

الأمين العام: إيران متحكمة في المشهد العراقي إلى حد كبير، وهذه الانتخابات عملت على زيادة تحكمها؛ لأن إيران موجودة على الأرض، وهناك نوع من التخادم الأمريكي - الإيراني في هذا الموضوع، وما زال الأمريكان لهم اليد الطولى في العراق من الناحية السياسية أو من الناحية النظرية، أما من الناحية الفعلية الواقعية؛ فإن الذي يُمسك بالأرض يكون أقوى، وتكون أوراقه أقوى وأكثر، وإيران إلى الآن متمسكة بالعراق، ومتمكنة منه، وتحاول زيادة هذا التمكن، والأمريكان لاهون -بقصد- عن هذا الموضوع؛ لأن لديهم مخططات أخرى لم تُنجز بعد في العراق والمنطقة، وهم يحتاجون إلى نوع من هذا التداخل بينهم وبين إيران في الساحة العراقية لحين الفراغ من ملفاتهم الأخرى.

-من المفارقات العجيبة في هذه الانتخابات؛ حرق الصناديق وما حصل في أجهزة العد والفرز، وأيضًا التهويل بفوضى وحرب أهلية إذا تمت إعادة الفرز، سواء هذا التهديد من قبل الخاسرين أو من قبل  الرابحين الذين يخشون -إذا ما تمت إعادة الفرز- خسارتهم... ما هو تفسيركم لهذه الحالة؟

الأمين العام: أولًا إعادة الفرز تمت أو لم تتم لن تغير من المعادلة شيئًا، الواقع سيبقى كما هو؛ ولكن هناك صراع بين الأطراف السياسية، وهذا يفسر كيف أنه لو كان الأمر فيه شيء
-كما يقولون من الديمقراطية- فعلًا، فيخشى الفائز على حظوظه؛ ولكن لماذا يخشى بعض الخاسرين من موضوع إعادة الفرز؟

القصة باختصار أن هناك مصالح تحققت لأطراف وقوى وأشخاص فائزين كانوا أو خاسرين، وإعادة الفرز قد تهدد هذه المصالح الجزئية، ولكنها لن تؤثر على الشكل العام. والعراقيون يهمهم الشكل العام، وهو هيمنة الطائفية على مجلس النواب، ومدى إمكانية ظهور شعور وطني ممكن أن يقف بوجه هذا الأمر.. هذا هو الذي يهمنا في هذا الموضوع، أما موضوع العملية السياسية برمتها فهو خارج حساباتنا كهيئة، ولكن كثير من العراقيين يفكرون بهذه الحسابات ويتمنون أن يقل الضرر يومًا بعد يوم، وهذا لن يحدث للأسف. وهنا معلومة فقط تدلل على مدى استخفاف صانع القرار الأمريكي والإيراني ومدى سكوت النظام العربي الرسمي عن هذه المهزلة المستمرة في العراق منذ 2003 إلى الآن، فهم يقولون: (ديمقراطية وحظوظ)، ولكن نقول: من البداية وإلى النهاية هناك نوع من التوافق على ذلك؛ فهناك توزيع للنسب السكانية على أساس ما تم الإتفاق عليه قبل الاحتلال والدليل على ذلك: -هنا أتكلم وأضعها بين قوسين- بغض النظر عما جرى وبغض النظر عن انقسام الكتل وتوزعها على القوائم والناخبين كم هي حصة (النواب السنة) في هذا البرلمان؟ بعضهم يقول تزيد وتنقص؛ لأن هذه ديمقراطية؟ وواقع الحال يقول عددهم لا يتجاوز (67) نائبًا سواء كانوا في قوائم ما يسمى بالقوائم (السنية) أو من فازوا في داخل قوائم تسمى قوائم (شيعية)، ولن تتجاوز نسبتهم في البرلمان 20% وقد تنقص قليلًا عن 20% عند التحقيق في بعض الأسماء. إذن القصة مفروغٌ منها والمواقع موزعة. وسمعنا كلامًا في الإعلام قبل أيام أن بعضهم يقول: السفير الفلاني والمسؤول الغربي الفلاني كان يعلم بالنتائج قبل الانتخابات؟! هل يعلم بها تفصيلًا؟ لا، وإنما يعلم بأن النسب والمقاعد موزعة على كل الأطراف، وهذا الذي يجري في الإعلام إنما هو ضحك على الذقون.

-هل لديكم خشية من اندلاع حرب أهلية في العراق؟

الأمين العام: هذا السؤال أيضًا قديمٌ جديد، الخشية من اندلاع حرب أهلية في العراق بمعنى حرب أهلية شاملة بين العراقيين؛ غير حاصل وغير متوقع، والدليل كم معركة حصلت منذ بداية الاحتلال وإلى الآن؟ معارك داخلية بحجة محاربة الإرهاب وما إلى ذلك؟ ولكنها لم تتطور إلى حرب شعبية أهلية حقيقية على الرغم من اتساعها في بعض المناطق، والمتوقع الآن فيما لو لم يتفق شركاء الحكم على تحقيق المصالح للجميع؛ أن تندلع حروب صغيرة هنا وهناك بين هذه الفرق وبين هذه الفصائل وبين هذه الكتل.

-هذا ما يحذرون منه الآن؟

الأمين العام: نعم هذا ما يحذرون منه، وهذا بالضرورة سينقلب سلبًا على الشعب العراقي، ولكن في تصوري لن يصل إلى ما يسمى بالحرب الأهلية التي يخوفون العراقيين بها.

-إيران ممكن أن تغذي هذه الحرب؟ هل لها مصلحة فيها؟

الأمين العام: لا، إيران تحاول تهدئة الأمور قدر ما يمكن وترتيب اللعب بين أذرعها وأذنابها وأدواتها في العراق، فهي المستفيدة من ذلك.

-اليوم في العراق هل يمكن أن نقول إننا نعيش حالة استثنائية منذ عام 2003 حتى اليوم؟ هل الحالة التي نعيشها اليوم خاصة خلال فترة الانتخابات وبعدها؟ هل نحن نعيش حالة استثنائية في العراق؟

الأمين العام: العراق في حالة استثنائية منذ عام 1990، ولكن الحالة الاستثنائية بعد عام 2003 تخالف كل الحالات السابقة من حيث السوء ومدى المأساة التي يعيشها العراقيون، فهذه الحالة تكاد تكون غير موجودة في مكان آخر.. لماذا؟ لأن السوء في بلاد أخرى قد يكون في مرحلة ما في مكان ما، ولكن الانطباع الخارجي الذي ترسمه المنظومة الدولية والإقليمية وبضمنها العربية؛ أن العراق مستقر وتم القضاء على الإرهاب، وتجري فيه عملية ديمقراطية، وأنه مازال يصدر النفط، وإن لديه واردات كثيرة جدًا. وهذه الصورة التي يعطيها الإعلام الرسمي والإعلام الحزبي الطائفي -وللأسف- الإعلام العربي فضلًا عن الإعلام الغربي والإعلام الأمريكي؛ تزيد من سوء هذه الحالة الاستثنائية، فأنت مذبوح ومقتول والعالم لا يعرف بهذا الأمر.

-اليوم هل لديك مؤشرات على احتمال انهيار العملية السياسية في العراق؟ ربما مؤشرات أقوى من المؤشرات السابقة.

الأمين العام: هذه لا تسمى عملية سياسية؛ لأن عوامل انهيارها والسلبيات التي فيها لو أن واحدًا أو اثنين أو ثلاثة بالمئة إذا تحققت في أي بلد آخر قد تنهار، فستكون عملية سياسية طبيعية بدون تدخل إرادات دولية أو إقليمية، لكن العراق محكوم بإيرادات دولية وإقليمية تحاول أن تخدع العالم أجمع بأن هناك عملية سياسية طبيعية، والدليل على ذلك: أن هكذا بلد متهاوٍ اقتصاديًا، وإلى الآن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يتكلمان عن الاقتصاد العراقي وكأنه بلد متعافٍ ويعاني من مشاكل يمكن أن تزول ببعض المعالجات هنا أو هناك، إذن هناك إرادة دولية بل إرادات دولية وإقليمية تحاول ضبط الموضوع والحيلولة دون انهيار العملية السياسية، وهذا يفسر التحالفات الدولية المتتابعة لمحاربة الإرهاب في العراق.

-عندما نتحدث عن المشاهد المأساوية في العراق لا يمكن أن نُغيّب ملف النازحين، فمأساة النازحين تتفاقم يومًا بعد يوم رغم إعلان الحكومة ما أسمته النصر أو التحرير، هل يراد لأزمة النازحين أن تستمر برأيك؟

الأمين العام: طبعًا يراد لها أن تستمر لأسباب عدة، أولًا: لإبقاء حالة عدم الاستقرار والاضطراب، والأمر الثاني: أن الحكومة غير معنية بالمناطق التي تحصل فيها هذه المآسي، والمناطق التي نزح إليها النازحون واستقروا فيها؛ لأنها لا تنظر إليها بمنظار وطني ومنظار عراقي  وإنما -للأسف- بمنظار طائفي ضيّق، والأمر الثالث: عدم قدرة هذه الحكومة الموجودة الآن والحكومات السابقة على فعل شيء؛ بسبب حجم الفساد المالي والإداري والخراب الكبير فيها، وهي أساسًا حكومات طارئين على العراق جاءوا للاستفادة من العراق وليس لفائدة العراق.

أمر آخر فيما يتعلق بما جرى في هذه المناطق هناك خطط دولية نسمع عنها للإصلاح ولإعادة التعمير ولإعادة النازحين، وهذه كلها لم تطبق إلى الآن وما طبق منها هي جهود يسيرة بمبادرات فردية أو جهود منظمات غير حكومية، أما المنظمات الحكومية والجهات الداعمة من خارج العراق فإنها لم تفعل شيئًا يُذكر، والدليل المشاهد أمامنا ماثلة وآخذ جانبًا فقط: محافظة نينوى؛ فالجانب الأيمن من مدينة الموصل إلى الآن لم يحصل فيه شيء يُذكر ومتوقع أن يستمر هذا الأمر لا لشهور بل لسنوات، فضلًا عن ذلك فأين هو النصر؟ يتحدثون عن النصر، ولكننا نسمع في اليومين الأخيرين حديثًا عن عودة الإرهاب وضرورة مواجهة الإرهاب، إذن أما إنه قُضي على الإرهاب وتم تحقيق النصر ثم عاد من جديد، أو إن هذا الإعلان كان إعلانًا كاذبًا غير صحيح، وأن كل مسميات النصر والفتح كانت هباءً ليس لها رصيد وإنما للتهيئة للانتخابات فقط.

-المشهد في العراق اليوم إلى أي مدى برأيكم يقترب مما استشرفته هيئة علماء المسلمين في العراق وأيضًا القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية؟ هل وصل المشهد إلى الدرجة أو المرتبة التي استشرفتها الهيئة أم ينتظر العراق ربما ما هو أسوأ من ذلك؟

الأمين العام: قد يكون غيري أولى مني بالجواب؛ لأنه قد يعد هذا الجواب من باب مدح النفس، وهو مذموم، وواقع الحال للأسف أن كل ما قلناه وتوقعناه حصل؛ بل حصل ما هو أسوأ، وهناك أشياء لم نتوقعها وحصلت والقادم للأسف سيء، وبياننا الأخير الذي صدر بعد إعلان نتائج الانتخابات وما جرى فيها من مهازل -وليس مهزلة واحدة- كان واضحًا في التأكيد على هذا الموضوع ، للأسف كل ما قلناه منذ عام 2003 و2004 يتحقق واقعًا أمامنا، وهذا ما نسمعه الآن ليس من الناس فقط، وإنما من أصحاب العملية السياسية أنفسهم؛ ولكن هناك نوع من المكابرة ونوع من الاعتزاز بالإثم والاعتداد بالنفس وعدم الاعتراف بالوقائع كما هي.

-ربما الواقع في العراق ينبغي ومن الطبيعي أن يدفع القوى العراقية المشاركة في العملية السياسية إلى إجراء مراجعات تجاه هذه العملية والمشاركة فيها، هل تعولون على تغيير قوى عراقية لنظرتها أو قرارها بالمشاركة في هذه العملية؟

الأمين العام: نحن لا نعول على العملية السياسية نفسها فما بالك بالمشاركين فيها، وأقولها بكل وضوح وبكل صراحة وأعتقد أنها أصبحت حقيقة مسلمة لكل العراقيين: لا يعول على هؤلاء لا أحزابًا، ولا قوى، ولا أشخاصًا، ولا إرادات، ولا قيادات، ولا ما يسمى رموزًا؛ وهؤلاء (لا خلاق لهم) وليس واردًا في ذهنهم هذا الأمر؛ لأنهم يعلمون تمامًا في قرارة أنفسهم أنهم على خطأ؛ ولكن القصة ليست قصة سياسي أخطأ وصارح الناس وراجع نفسه، وإنما قصة مجموعة تريد الاستيلاء على ما في العراق من خيرات ونهبها وتحقيق مصالح حزبية، ومذهبية، وعرقية، ومصالح خاصة؛ ومن ثم ترك العراق عند أول فرصة قبل أن تغرق السفينة، فلا يتوقع منهم شيءٌ ما؛ لأنهم أساسًا لا ينطبق عليهم وصف السياسي الحقيقي فما بالك بالمراجعة والنقد الذاتي.

-بالنسبة للدول الراعية للعملية السياسية بعدما وصل العراق إلى ما وصل إليه، هل يمكن أن تجري مراجعات للعملية السياسية ورعايتها لها؟

الأمين العام: للأسف لا، ما زالت داعمة لهذه العملية ونحن قلناها في لقاءات سابقة ونقولها الآن ونكررها؛ لأن هذه الحقيقة هي كما يقولون: (مربط الفرس)؛ فمشكلة العملية السياسية أو مشكلة وضع العراق الاستثنائي؛ أنه أحتل من الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الراعية للعملية السياسية في العراق، وأن الخصم والعدو للعراق والعراقيين هي الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إيران؛ فكيف ينبغي لهاتين الدولتين أن تعترفا بفشل العملية السياسية؟! أو تعيدا المراجعة أو تراجعا أنفسهما على أقل تقدير، والدليل: أين مواقف هاتين الدولتين -على سبيل المثال- مما جرى في الانتخابات وما جرى بعد الانتخابات؟ من: تزوير، وتهديد، وصراعات حزبية، وحرق لصناديق الانتخابات، وتدمير لأجهزة الفرز والعد، وتلويح بالحرب أو بالصراعات الداخلية، واغتيالات؛ كل هذا وكأنها عملية سياسية سليمة؟! وجزء من هذه الأمور لو يحدث في بلد آخر غير راضية عنه أمريكا أو غير راضية عنه إيران لسمعت ما سمعت، هذه مشكلة ما يجري في العراق.

 والأمثلة كثيرة أنظر ماذا يجري في سورية من قتل وتدمير، والآن حال إخواننا النازحين في جنوب سورية على الحدود الأردنية، الذين تتهددهم الأخطار بعد وصول القوات الحكومية السورية إلى الحدود، فهناك أكثر من مائتي ألف نازح في العراء تحت هذه الشمس الحارقة في فصل الصيف الحار جدًا، ويتعرضون لكل أنواع الذل، ويقتلون ليلًا ونهارًا ويقصفون بكل الأسلحة، وكأنه لا يحدث شيء، والولايات المتحدة الأمريكية ترسل رسالة للفصائل قائلة: لا تتوقعوا منا دعمًا.

ثم أنظر إلى اليمن: الحوثيون وهم جهة إرهابية باتفاق الجميع -باستثناء أمريكا وإيران- تفعل ما تفعل والولايات المتحدة الأمريكية تحذر من كذا ومن كذا ومن كذا وتدعو إلى استئناف مفاوضات السلام بين الطرفين؛ فإذن هي سياسة الكيل بالمكاييل وليس بمكيالين فقط.

-بعد الانتخابات أصدرتم بيانًا أعلنتم فيه إعادة تفعيل الميثاق الوطني لماذا في هذا التوقيت؟

الأمين العام: التوقيت كان مهمًا، فالميثاق الوطني جاء بناءً على مبادرة مشروع العراق الجامع التي أعلنت في عام 2015، وكنا نستقرئ الأوضاع كما حصلت الآن بعد انتخابات عام 2014؛ وعليه كان لابد لنا من مشروع يعطي شيئًا من الأمل للعراقيين؛ فكان مشروع العراق الجامع الذي مر بعدة مراحل وآخر مراحله هو (الميثاق الوطني) الذي تم إنجازه من قبل القوى المناهضة للعملية السياسية العام الماضي بعد اجتماعات عدة أقرت فيها وثيقته الرئيسة، لكن لم تتح الفرصة لإعلانه. وأقولها بكل وضوح وبكل صراحة؛ لعدم وجود مكان يمكن أن يُعلن منه. وهذه جزء من المأساة والحالة الاستثنائية في العراق.

وعطفًا على سؤال هل تراجع القوى الدولية موقفها من العملية السياسية؟ أقول: لا، هي لا تسمح لنا بإعلان صوتنا فكيف تراجع مواقفها من العملية السياسية؛ لكن بعد هذه الانتخابات تبدو الفرصة مواتية، فالشعب الآن قاطع الانتخابات بنسبة كبيرة جدًا، وهو مهيأ الآن لاستماع وجهة نظرنا؛ بل العالم كله مهيأ، فالعالم يبحث عن بديل إلا الإرادات الفاعلة في العراق لا تريد هذا البديل وتعمل على تضييق السبل علينا. وعليه فقد كان توقيت إعلان أو تفعيل الميثاق الوطني منطلقًا من هذه الأمور، وإن شاء الله قريبًا نعلن عن التوقيت والمكان لإعلان الميثاق بحسب المتيسر.

-بالنسبة للمواطن العراقي الذي يسمعنا الآن ما هي أهمية هذا الميثاق؟ هل سينتشل العراق والعراقيين من المأساة التي يعيشونها؟

الأمين العام: ينبغي أن نضع الأمور في نصابها، فالعراق لن يُنتشل مما هو فيه، إلا إذا تم تغيير الواقع إلى الواقع الذي يريده العراقي؛ وهذا لا يتم طبعًا إلا من خلال اقتناع الدول الفاعلة، والإرادات الدولية، والمجتمع الدولي -سمها ما شئت- بأن الأوضاع في العراق قد وصلت إلى طريق مسدود؛ ولكنه إلى الآن لم تصل قناعات هذه الدول لأسبابها ومصالحها الخاصة. وهناك طبعًا سبل أخرى خارجة عن إرادات المجتمع الدولي.

والميثاق لن يقوى على ذلك؛ نحن قوى مناهضة للعملية السياسية مازالت ثابتة وصامدة على مبادئها ومواقفها، ولكنها للأسف محاربة ومضيق عليها من هذه الأطراف التي نتكلم عنها في العراق، ولكن على الأقل نعمل من أجل أن نعطي رؤية لحل بديل يمكن أن يُعتمد عليه فيما لو أتيحت الفرصة للتغيير في العراق، وهو استكمال لجهود طويلة بذلناها في الهيئة والقوى المناهضة للعملية السياسية بدءًا من مؤتمري القاهرة عام 2005و2006، وقد تم في المؤتمر الأول ومن ثم في المؤتمر الثاني وضع القواعد والتوصيات الأساسية التي فيما لو اتُبعت أو تم الإتفاق عليها أو سُمح لها المجال للتطبيق في حينها؛ لما وصلنا إلى هذه الحال؛ ولكنها كانت لا تخدم الإرادات النافذة في العراق ويبدو بأنها ما زالت لا تخدم هذه الإرادات، فإذن هي رسالة أمل نبعثها بواسطة الميثاق للعراقيين، ونقول لهم: أن هناك قوى تفكر فيكم وقوى فاعلة ما زالت إلى الآن صوتها عالٍ، وهذه القوى ما زالت إلى الآن ثابتة على مبادئها، وأنها  لن تخذل العراقيين كما خذلهم السياسيون. هذه هي الفكرة من الميثاق الوطني. فضلًا عن سعينا من خلال الميثاق إلى تفعيل آليات التعاون والتواصل بين القوى الوطنية، ومحاولة نشر هذا الميثاق وأفكار هذا الميثاق في كل مكان وفي كل منصة وفي كل مجال يمكن العمل فيه.

-يعني هل ستتواصلون مع دول ربما إقليمية فيما يتعلق بهذا الميثاق؟

الأمين العام: الفكرة الأساسية: أنه عندما يعلن هذا الميثاق سيعلن للجميع ويتم إيصاله لكل من هو معني بالشأن العراقي، من مجتمع دولي، ودول إقليمية، ودول عربية؛ حتى نقوم بالواجب الذي علينا؛ لأنه إلى الآن بعضهم مضلل وبعضهم موضوع أمامه ستار حاجب، بأن هذه القوى ليس لديها بديل وأن هذه القوى متشددة، وغير مرنة، وأن هذه القوى تبحث عن خيال وعن حلم وهو إعادة العراق إلى ما كان عليه؛ الآن أظن أن بعض هذه الأمور قد زالت، فالعراقيون الآن جميعًا يتحدثون بالخطاب نفسه واللهجة نفسها، -إن لم يكن أقوى منا- ويبحثون عن المبادىء التي نعلن عنها، ثم إن كثيرًا من النقاط التي أشرنا إليها في الميثاق وغيره حصلت الآن، وهي كتبت أو وضعت أصولها منذ عام 2015؛ قد تحققت الآن، وما توقعناه واستشرفناه في مبادرة (العراق الجامع) هو ما تحقق الآن.

-كيف تتوقعون أن تكون أصداء هذا الميثاق في الداخل العراقي؟

الأمين العام: في الداخل أعتقد بأنه سيكون هناك نوع من الاهتمام أو الترحيب والإرتياح وتجديد الأمل لدى العراقيين، وإن حققنا هذا فبالنسبة لي يكفي؛ أما بالنسبة للخارج فإقامة الحجة على الآخرين؛ وبيان أن هذا هو جوابنا وهذا هو بديلنا وهذا هو رأينا فأين أنتم؟ وهذا يكفي في هذه المرحلة.