الحرب والغبار والدمار... وليد الزبيدي

توثيق يوميات الحرب مسؤولية كبيرة، وبينما طوى النسيان الكثير من الوقائع والأحداث الكبيرة، فقد احتفظت الذاكرة بوقائع أخرى، لكن في الغالب يتم توثيق ما يتماهى وتوجهات الحاكم وحاشيته ومن يسير في دروبهم، وما يناغم رغبات هذا أو ذاك، في حين تنطمس الكثير من الحقائق التي تؤثر سلبا في تكوين صورة دقيقة عن الأحداث الجسام، وقد تكون الحرب الأميركية على العراق في ربيع العام 2003 من الأمثلة الواضحة على هذا الصعيد.

برزت الحرب في عنوانها الواسع منذ فجر العشرين من آذار- مارس في العام 2003، بعد إعلان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش انطلاق العمليات الحربية على العراق، وبينما كان الغالبية العظمى من العراقيين يغطون في نوم عميق في تلك الساعة المتأخرة من الليل، في حدود الساعة الرابعة فجرا بتوقيت بغداد، فقد كان الليل في بدايته في الولايات المتحدة، وتعد تلك الساعات ذهبية في استهلاك المواطن الأميركي للأخبار، التي لا يتابعها المواطن الأميركي بذات الشغف والنهم الذي يتعاطى معها الكثير من مواطنينا، ومثل ذلك كان بيان الحرب في العام 1991، فقد تمت إذاعته من قبل الرئيس بوش الأب في تمام الساعة الثالثة فجرا بعد ثلاثين دقيقة من بداية القصف الجنوني على بغداد والمدن العراقية الاخرى.

 ومثل هذا الأمر تكرر في حرب العام 2003 ، إذ كانت الأخبار المتدفقة تداعب خيالات الأميركيين، وتصلهم من خلال الشاشات، في حين تسقط آلاف الصواريخ والقنابل القاتلة المدمرة فوق رؤوس العراقيين، لتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتثير الفزع والهلع والرعب في نفوس الملايين من الناس، الذين تهتز جدران بيوتهم وتتساقط سقوف مساكن أخرى من تلك التي تقع في محيط القصف العنيف المدمر، الذي تمارسه طائرات وقاذفات الشر والإجرام القادمة من وراء المحيطات والبحار.

 وبعد ما يقرب العقد ونصف العقد على عملية القتل الأميركية للعراقيين في العام 1991، عادت المشاهد مرة أخرى بذات الطريقة لكن بأسلحة أكثر تطورا في ربيع العام 2003، بمعنى أشد فتكا بالناس بعد أن بذل خبراء الأسلحة في أميركا خاصة والغرب عموما المزيد من الجهود في تطوير أدوات القتل خلال سنوات حصار العراقيين التي سبقت الحرب، ومنذ الدقائق الأولى لبدء القصف الواسع والشامل، بدأت الدماء تسيل في الكثير من مدن العراق وأريافه وحتى في أعماق الصحراء، التي لم يسلم فيها حتى البدو الرحل من القصف الأميركي الإجرامي، فسقط الأطفال قتلى والشيوخ والنساء ولم تسلم من ذلك القتل الأميركي حتى الحيوانات الأليفة.

آلاف القصص المبثوثة في مختلف أرجاء العراق راح ضحيتها عشرات آلاف الضحايا الذين سقطوا بين قتيل وجريح بفعل القصف الأميركي، ثم تناسل عن ذلك القتل المتعمد آلاف الأرامل اللائي فقدن الزوج بفعل الصواريخ والقنابل التي انهالت على رؤوس الناس ، ثم ظهر اليتامى والمعاقون ومن وقعوا ضحايا الرعب الهائل بفعل أصوات الانفجارات العنيفة التي تزلزل كل شيء في المدن والقرى والأحياء السكنية.

في كل بقعة من أرض العراق قصة تزخر بالقتل والدماء والدمار، لكن القاتل تحكم بعد ذلك بكل شيء في هذا البلد، فعمل الكثيرون في خدمته ولهث الكثيرون لتزويق صورته واستبدال بشاعاته بغيرها رغم كثافة الدمار وسيول الدماء التي تركها الغزاة بين ثنايا هذا بلاد الرافدين.