بيان رقم (1328) المتعلق بالانتخابات الأخيرة

  • بيانات
  • 476 قراءة
  • 0 تعليق
  • السبت 02-06-2018 04:00 مساء

أصدرت الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين في العراق بيانًا بخصوص بموقف الهيئة من العملية السياسية والانتخابات الأخيرة، وفيما يأتي نص البيان:

 

بيان رقم (1328)

المتعلق بالانتخابات الأخيرة

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللهمحمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فقد جرت الانتخابات الأخيرة في العراق في (12/5/2018م)، ولم تختلف عن سابقاتها؛ من حيث إنها تمت بعد حملة عسكرية لتحالف دولي بقيادة أمريكية؛خلفت خرابًا ودمارًا وقتلًا وتهجيرًا، لكنها هذه المرة فاقت كل الحملات السابقة، مستهدفةً المحافظات المنتفضة ضد الظلم والفساد فسامتها سوء العذاب.

وقد شهدت هذه الانتخابات جدلًا كبيرًا قبل انطلاقها وفي أثنائها وبعد إجرائها؛ والأسباب كثيرة؛ منها ما يعود لآليات الانتخابات كجزء من المشروع السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والعرقية، وما تبعها من مشاكل، ومنها بسبب الوضع المأساوي وانعدام سبل العيش في المحافظات التي تعرضت للحملات العسكرية، فضلًا عن ملايين النازحين الذين لم يعودوا لديارهم، وما يزالون للسنة الرابعة في المخيمات يعيشون أوضاعًا مأساوية موثقة دوليًا، مع وجود ميليشيا الحشد الشعبي الموالية لإيران، وسيطرتها على تلك المناطق والتحكم بأهلها، واستيلائها غصبًا على بطاقات الناخبين واستخدام التهديد بالقتل والاعتقال لكل من لا ينصاع لأوامرها، وأخيرًا استخدام المال الحرام والرشى لشراء الذمم والمراكز الانتخابية وأصوات الناخبين، وصولًا لعمليات التلاعب الإلكتروني والتزوير الذي افتضح أمره مؤخرًا.

وأما عن جدواها فهي تكرار لتجارب سابقة منذ عام (2005م) لم يلمس العراقيون فيهاأيّ تغيير سياسي أو أمني أو اقتصادي أو خدمي؛ بل ازدادت الأمور سوءًا وتدهورًا يومًا بعد يوم، وبات الشعب مقتنعًا أن هذه الانتخابات لن تغير الخريطة السياسية، ولن تأتي بجديد ولا يمكنها تغيير واقعه المرير. أما صراع الأحزاب فيما بينها فهو على المصالح الفئوية والحزبية والشخصية فقط، ولا يوجد فرق كبير بين حزب وآخر بشأن كيفية إدارة الحكم وحماية مقدرات الشعب؛ لأنها تحمل الفكر نفسه، والمنهج عينه المؤطر بالطائفية والحزبية والتبعية. فضلًا عن أن الجزء الأكبر منها يعمل لصالح التمكين للنفوذ الإيراني في العراق بدون مواربة.

ولذلك انطلقت الحملات الشعبية الكبيرة والعفوية لمقاطعتها؛ لأنها انتخابات صورية وشكلية أقرب ما تكون إلى مسرحية أُعدت نهايتها سلفًا. ومن ثم جاء التشكيك فيها بعد إجرائها والطعن في نزاهتها، وصولًا إلى مطالبة بعض القوى المشاركة فيها: بإلغائها وتشكيل حكومة تصريف مهام، أو الدعوة إلى إعادة النظر فيها وإعادتها في بعض المناطق، أو إعادة فرز الأصوات يدويًا.

واحتدم الجدل المصحوب بالاتهامات بالتزوير والتلاعب بالنتائج بعد إعلان مفوضية الانتخابات النتائج الأولية، وتطورت لغة التشكيك والتخوين والفساد والاتهامات؛ ليصل الأمر إلى مشادات وتهديدات بين الكتل السياسية في أماكن عدة، واشتباكات مسلحة في كركوك وغيرها من المناطق؛ أما المهاترات والمغالطات والتناقضات والملاسنات في الفضاء الإعلامي فحدث ولا حرج.

وقد أشارت عدد من المنظمات غير الرسمية التي راقبت الانتخابات إلى وقوع خروقات كبيرة فيها موثقةً ذلك بالأدلة والصور، مع تدني نسبة المشاركة، على الرغم من إعلان المفوضية لنسبة مشاركة مشكوك فيها ولا تتفق مع واقع ما جرى ومعطيات الانحسار الواضح في أعداد الناخبين، والمقاطعة الكبيرة من المواطنين التي اعترفت بها وشكت منها أغلب الكتل السياسية المشاركة، موجهةً الاتهامات للمفوضية، التي كانت مثالًا مناسبًا لواقع العملية السياسية المزري الذي لا يحتاج أدلةً شاهدةً بعد اليوم؛ فقد نطقت الانتخابات وإجراءات المفوضية وردود أفعال القوى السياسية بذلك، حتى اضطر رئيس الحكومة الحالية إلى تقديم (مفوضية الانتخابات) إلى (هيئة النزاهة).

وقد تعززت هذه الأمور بعد إعلان النتائج النهائية قبل أسبوعين تقريبًا، وانتهى الأمر أخيرًا إلى تشريع قانونٍ من مجلس النواب الحالي -بعد احتدام الصراع بينه وبين المفوضية- يدعو إلى إلغاء جزءٍ من نتائجها، وإعادة الفرز يدويًا. وهذا بحد ذاته يطعن في كل ما جرى، ويفتح الباب على أمور كثيرة تقتلع مصداقية الانتخابات من الأرض، لو كنا في بلد آخر غير العراق.

وبغض النظر عن كل ما تقدم فإن شيئًا مما يسمونه (الديمقراطية) لم يتحقق، وإن أوهامًا جديدة تُنسج الآن في محاولة جديدة لخداع الشعب العراقي بها.

ويمكن إبراز أهم النقاط المسجلة على هذه الانتخابات في الآتي:

1) النسبة المتدنية للمشاركة، أمام النسبة الكبيرة للمقاطعة، بغض النظر عن الأرقام التي حاولت مفوضية الانتخابات تمريرها وإيهام العراقيين والعالم بها، فنسبة المشاركة لم تتجاوز في كل الأحوال (20%) من مجموع الناخبين الذين يحق لهم التصويت. وعلى رأي عدد ممن شاركوا فيها؛ فإنها لم تصل حتى عتبة هذا الرقم.

2) الوعي الكبير بفعل المقاطعة، الذي كان بمثابة موقفٍ مهم من العملية السياسية وإعلانٍ لفشلها، وتصويت برفضها وعدم جدواها، لا تكاسلًا كما يحاول بعضهم الادعاء؛ مسيئًا بذلك للعراقيين، ومستخفًا بهم ومصادرًا لحقهم في التعبير عن رفضهم لها.

3) افتضاح عمليات التزوير السابقة، مع زيادة أدلتها ووقائعها في أثناء التصويت وبعده داخل أروقة المفوضية. وانكشاف كذبة كون المفوضية مستقلة وبعيدة عن تأثيرات الأحزاب والقوى السياسية، وهو أمر وإن كان مفروغًا منه بداية؛ بحكم أن أعضاء المفوضية هم مرشحون من هذه القوى والأحزاب ويخضعون لتوجيهاتها؛ إلا أن الخلافات داخل المفوضية هذه المرة كانت علنيةً وصارخةً جدًا، حتى إنها أصبحت حديث وسائل الإعلام، بلا حياءٍ أو خجل.

 4) الدخول المكثف للوجوه (الحشدية) في البرلمان مستبدلةً زي القتل والتهجير والسرقة بزي السياسة والتشريع، وبما يتفق مع مقتضيات الفصل الجديد ومرحلة جني المكاسب؛لتجديد سيطرة هؤلاء ومن ورائهم إيران على مشهد الحكم والاحتلال بالقوة الميليشياوية، وهذا هو شكل الحكم القادم في الأغلب، فضلًا عن فشل عدد لا بأس به من نواب المرحلة الماضية من الفوز في مقابل آخرين -وإن كان بعضهم قد عاد من نافذة المفوضية أو عبر شراء المقاعد بعد إعلان النتائج الأولية- وهو ما يعزز تنامي الوعي برفض هؤلاء حتى عند من شارك في الانتخابات. ولكن كما هو معلوم من آليات العملية السياسية؛ فإن البدلاء لا يقلون عنهم سوءًا في هذا المجال، عدا أن بعضهم لم يُجرَّب سابقًا في مجلس النواب وقد جاء الوقت لتجربته، في حلقة مفرغة لا قرار لها ولا نهاية إلا إذا قرر الشعب ذلك بنفسه.

5) استخدام المؤسسة العسكرية: جيشًا وشرطة، وتابعها (الحشد الطائفي) في التحشيد السياسي والانتخابي لصالح قوى بعينها، وخلق مشاكل داخل المكونات نفسها، وفرض خيارات غير منطقية وغير متوقعة، والشواهد على ذلك كثيرة. حتى علت أصوات بعض القوى السياسية بالشكوى والنكير من هذا الأمر.

6) عدم تحقق رؤى بعض الدول الإقليمية وخططها في صناعة واقع جديد أو تحالفات معينة، وزيادة ضعف أطراف هذه التحالفات، التي هي في الأصل ضعيفة لأسباب عدة.

 7) تشتيت جبهة بعض القوى وانقسامها على نفسها؛ سعيًا للحصول على كراسي مجلس النواب بأي طريقة، وإن كان بالتحالف مع قوى كانوا يصفونها بأنها تقتل الشعب وتعمل على الاستهداف المنظم لفئة كبيرة منه. ويظهر هذا التناقض جليًا في واقع بعض القوى (السنية) والشخصيات المتحالفة مع تحالف العبادي أو تحالف الحشد أو غيرهما، ويستوي في هذا اللاعبون القدامى واللاعبون الجدد -كما يطلق عليهم-.

8)الهدر الكبير لمقدرات العراقيين وأموالهم وثرواتهم في سبيل سباق محموم على مقاعد تنقل شاغليها إلى موقعٍ أفضل؛ لسلبٍ مستمر لهذه المقدرات والثروات

9) إجراء الانتخابات في ظلعدم عودة النازحين لمناطقهم، ودمار مدنهم بسبب الحملات العسكرية، وانعدام تام لوسائل العيش في عدد منهابسبب الإهمال المتعمد، والاستخدام المبتذل للشعارات الدينية في هذه المعركة الخاوية، في صور تدل على الإفلاس التام، وكانت النتيجة افتضاح بعض المؤسسات الدينية والشخصيات بعدم استماع الناس لأقوالهم.

وبعد: فإنه يُراد للعراقيين أن يذهبوا في طريق تحالف متوافق مع واقع الصراع في الساحة العراقية، والتنازع الكبير في فرض الإرادات، الذي مثلته جولات قاسم سليماني وتنقلاته في المدن العراقية في سعيه لصناعة تحالفات المحور الإيراني ما بعد الانتخابات في مقابل محور أمريكي يبدو أنه يعاني في سبيل فرض رؤيته المعتادة بتكرار إنتاج الترتيب المبرمج للنتائج بعيدًا عن الصناديق في سياق تحقيق السياسة الأمريكية بفرض توافقات معلومة، بعيدًا عن النتائج الحقيقة، وهو ما حصل في كل المراحل الانتخابية الماضية بحجة صنع تحالفات بعيدة عن إيران، وهو ما بدأته الإدارة الأمريكية مع المالكي منذ عام (2007م) وكررته مع العبادي منذ سنوات.

وبناءً على ما تقدم؛ فإننا نحذر أبناء الشعب من تمرير أمر واقع بذرائع مكشوفة؛ لتهيئة المجتمع العراقي لفرض واقع أُعد له سلفًا؛ دون الالتفات إليهم أو مراعاة ما يريدون. ونحذرهم كذلك من الانخداع بوجود صراع حقيقي بين المشروعين الأمريكي والإيراني في العراق، فهما وإن اختلفا في بعض الجزئيات أو في ساحات أخرى؛ إلا أنهما متناغمان ومتوافقان ضد العراق وشعبه؛ لذا فلا شك أن أي نتيجة في العراق ستكون توافقًا بينهما، مرضيًا لهما، والخاسر هو الشعب وحده. وأن هذه المهاترات في مرحلة معركة التحالفات بين الكتل السياسية؛ هي لتحقيق توافق بين هذه الكتل يحفظ مصالحها؛ ولإشغال العراقيين والعالم عن المهزلة التي حصلت في الانتخابات والموقف الشعبي المقاطع لها تعبيرًا عن رفضه للعملية السياسية ومخرجاتها.

وعليه فإننا ندعو المجتمع الدولي ولاسيما الدول الإقليمية لإعادة قراءتها للمشهد انطلاقًا من إرادة الشعب العراقي، ونكرر الدعوة للجميع بالتحاور لصناعة مشروع وطني حقيقي -بعيدًا عن الفاسدين والمجرمين وعن التدخلات التي أوصلت العراق إلى ما هو عليه- وعلى نحوٍ يضمن الحقوق للجميع، في ظل نظام سياسي وطني يعتمد آلية التداول السلمي للسلطة، ويتخذ من التعددية السياسية أساسًا لبناء الدولة، وينبذ كل أشكال الاستبداد السياسي، وطرق الإقصاء بمختلف أنواعها، ويضمن استقلال العراق وسيادته، ويعمل على إرجاع مكانته الدولية، وإقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار، وتعزيزها على أساس مبادئ حسن الجوار، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ويتكفل بحفظ ثروات العراق ومقدراته، وحمايتها من العدوان الخارجي، ويحقق للبلاد التنمية والتطور، ويعمل على إزالة آثار الاحتلال، ومحاسبة المتورطين فيما وصل إليه حال العراق اليوم، وإعادة الحقوق إلى أهلها.

 

الأمانة العامة

17/رمضان/ 1439هـ

2/6/2018م