إلى الفائزين بالانتخابات ماذا عن هولوكوست قصف الموصل؟ ... هيفاء زنكنة

لا يكاد يخلو يوم دون انتشال المزيد من الجثث من تحت الأنقاض، في المدينة القديمة، بالموصل، على الرغم من مرور عام تقريبا، على إعلان حكومة حيدر العبادي الانتصار على منظمة الدولة الإسلامية (داعش)، ومع انشغال المسؤولين والسياسيين بمماحكات تزييف الانتخابات، أو عدم تزييفها، ظاهريا، والتنسيق فيما بينهم لإبقاء ذات الوجوه، بأقنعة مختلفة، في الحكم عمليا، تم دفع الموصل بعيدا عن المسؤولية الحكومية والأخلاقية، ليعيش أهلها في ظلال موت من نوع مغاير، نتيجة الخراب والتلوث والأخطار الصحية، وحالة الإحباط، والوقوف على حافة الجنون يأسا.

ليست هناك إحصائيات دقيقة حول عدد الضحايا الذين لايزالون تحت الأنقاض، إلا أن عمليات انتشال مئات الجثث من تحت الأنقاض في المدينة القديمة المستمرة، ورائحة تفسخ الموت القوية، تشير إلى أن العملية أبعد ما تكون عن نهايتها، إذ أن وضع حد للمأساة ليس من أولويات الحكومة، وإن كانت قد جعلت من إعادة إعمار الموصل شعارا للاستجداء في مؤتمر المانحين بالكويت.

يقول متطوعون مدنيون أخذوا على عاتقهم مهمة انقاذ المدينة من الموت، إنهم بحاجة ماسة إلى المعدات التي تسهل عملية الانتشال وإن حجم الكارثة أكبر بكثير من إمكانياتهم المتواضعة، كما تبين أشرطة الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، المؤكدة، في الوقت نفسه، أن عمليات الانتشال وإن كانت ضرورية، كحل سريع إزاء تقاعس الحكومة عن القيام بواجبها، إلا أنها تتم بشكل لا يوثق، بشكل علمي صحيح أعداد الضحايا وظروف قتلهم ناهيك عن هويتهم ودفنهم بشكل يليق بالكرامة الانسانية.

عن عدد الضحايا، أخبر ضابط جهد الإنقاذ في غرب الموصل وكالة رويترز، في 12 أيار/ مايو، أن 763 جثة انتشلت خلال ثلاثة أيام فقط، وتحدث محافظ نينوى عن رفع 2838 جثة من تحت الأنقاض منذ تموز الماضي، تعود 600 منها إلى عناصر «داعش»، وقاربت الأرقام في الأيام الأخيرة الخمسة آلاف، وقال الناطق باسم دائرة الدفاع المدني في الموصل (7 أيار/ مايو) إن «فرق الدفاع المدني في الموصل تمكنت من انتشال 22 جثة تعود لأطفال بأعمار متفاوتة».

أدى انتشار أفلام عمليات انتشال وتنامي التغطية الإعلامية الدولية، وازدياد نقمة الناس على بطء سيرورة العمل إلى مسارعة رئيس الوزراء، وهو الذي يعيش مرحلة المناورات للحفاظ على منصبه، بتشكيل لجنة «بأمره» تواصل عمليات الانتشال من تحت ركام المدينة، وهي خطوة كان من واجبه القيام بها فور إعلان الانتصار وليس بعد عام تقريبا.

إن النقطة الأساسية التي ستحدد علاقة أهل الموصل وبقية المدن المنكوبة التي تعرضت لقصف طيران التحالف بقيادة أمريكا بأية حكومة مقبلة، هي الاعتراف بالمسؤولية عما جرى من خراب وإصلاح الضرر، وعدم الاكتفاء برميها كلية على تنظيم «داعش»، وكان واجب الحكومة العراقية أن تجد السبل الملائمة، مهما كانت صعوبة الأمر، لحماية حياة المواطنين وتقليل فرص تعرضهم للخطر، لا المشاركة بقصفهم والطلب منهم عدم مغادرة المباني، كما فعل العبادي باعتباره قائدا للقوات المسلحة، فكانت النتيجة مجزرة دفن 300 شخص تحت ركام المباني، خلال يوم واحد، بذريعة وجود إرهابيين، وهي ذات الحجة التي استخدمتها قوات التحالف الأمريكي – البريطاني، في قصفها مدينة درسدن الألمانية، عام 1945، والحرب العالمية الثانية على وشك الانتهاء.

 سبّب القصف الجوي خرابا هائلا وسقوط آلاف الضحايا، خلال ثلاثة أيام من رمي المدينة بثلاثة آلاف وتسعمائة طن من القنابل الحارقة، عالية التفجير، وتبين الوثائق التاريخية، باعتراف مسؤولين عسكريين ساهم بعضهم في تنفيذ العملية، بأن الأهداف العسكرية الاستراتيجية، لم تبرر استخدام القوة المفرطة التي سببت تهديم المدينة وسقوط أعداد الضحايا، مما يجعلها جريمة حرب وليس تحريرا، مما دفع المؤرخين إلى تسمية العملية »هولوكوست قصف درسدن».

في الموصل، كرر التحالف الدولي بقيادة أمريكا، ارتكاب الجريمة، ويوثق فريق موقع «ايروور»، البريطاني المختص، الحرب الجوية بدقة في العراق وسوريا، واصفا عدد ضحايا القصف الجوي الأمريكي، المدنيين، بالعراق « بأنه الأعلى منذ حرب فيتنام، ومع ذلك لا تبدي الحكومات الغربية والعراقية أي اهتمام بتوثيق أعداد الضحايا».

استخدمت أمريكا لقصف الموصل، القاذفة الجوية بي 52، التي تعتبر رمز القوة العسكرية الأمريكية، تستخدم فيما يعرف بـ «القصف البساطي»، وتم تحديثها لتُزود بالصواريخ والقنابل الموجهة بالليزر، وكان قصفها للموصل جزءا من تجربتها بعد التحديث، كما استخدمت طائرات أف 16 وأف - أي 18، وطائرات ريبر بدون طيار، بالإضافة إلى مروحيات الأباتشي قاذفة القنابل، ليست هناك احصائيات عن كمية القنابل التي استخدمت وإن ثبت استخدامها قنابل بوزن 500 رطل، واستخدامها كارثي في مدينة مكتظة كالموصل، الأمر الذي دفع فريقا صحافيا هولنديا إلى التقرير «بأن عدد الضحايا من المدنيين هو31 مرة أكثر من أرقام التحالف المعلنة، وإذا كان تنظيم داعش قد زرع الألغام، ولا يزال الكثير منها مدفونا تحت الركام، فإن قوات التحالف رمت على المدينة ذخائر أسقطت من الجو، قنابل تزن الواحدة 500 رطل، تخترق الأرض لمسافة 15 مترا أو أكثر»، حسب مدير برنامج الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، مؤكدا «أن مجرد إخراج واحدة منها يستغرق أياما وأحيانا أسابيع.»

سيكون لتبعية المسؤولين والساسة العراقيين قوات التحالف حربها المختلقة ضد « الإرهاب»  وصمت «النخبة» العراقية عن جرائم متكررة في العديد من المدن العراقية، بذريعة محاربة الإرهاب، بدون تمحيص الأسباب وإثارة التساؤلات، انعكاسات خطيرة مستقبلا، حين يجر المجتمع أنفاسه، فيصبح قادرا على المطالبة بالحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا وأهاليهم، ولن يتم ذلك في أجواء التلفيق السياسي، وحملات التضليل، وانعدام التوثيق، وهو من أساسيات عمل الحكومة وواجبها، لو توفرت النية لتحقيق المصالحة ووضع حد لروح الانتقام؛ اذ من المضحك مطالبة التنظيمات الإرهابية، وهي «الإرهابية» بحكم توصيفها وممارستها، بحماية حياة المواطنين، بينما لا يطبق الأمر نفسه على الحكومات والدول، وهذا هو بالضبط ما عجزت عن تحقيقه حكومات الاحتلال المتعاقبة.