هيئة علماء المسلمين تستعرض محطات تاريخية في الذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها

الهيئة نت ـ عمّان| عقد القسم الإداري في هيئة علماء المسلمين في العراق؛ ندوة بعنوان (محطات تاريخية.. مؤتمرا القاهرة ومكة)؛ بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس الهيئة، استضاف فيها الأمين العام الدكتور (مثنى حارث الضاري)، الذي ألقى كلمة استعرض فيها جانبًا من الأحداث والمواقف والجهود التي بذلتها الهيئة في المشهد السياسي العراقي.

وفي مستهل المحاضرة؛ أعاد الأمين العام إلى الأذهان محاضرة العام الماضي في الذكرى نفسها؛ التي تناولت المحطات الأولى وظروف تأسيس الهيئة التي تشكلت بعد خمسة أيام فقط من احتلال العراق، مستعرضًا أسس الهيئة والقوى المناهضة للاحتلال والعلمية السياسية، التي يُبنى عليه الحل في العراق، ثم ربط ذلك بمحطات تاريخية مرت في سنتي 2005 و2006 كانت لهيئة علماء المسلمين فيها جهود سياسية واسعة ومهمة، ومن بينها قصة مؤتمري القاهرة ومؤتمر مكة ومجرياتها وما آلت إليه الأوضاع بعدها.

وأوضح الدكتور مثنى الضاري؛ أن الجامعة العربية اقترحت ـ في عام 2005ـ مؤتمرًا للأطراف العراقية سمّته (مؤتمر الوفاق)، ودعت إليه اطراف العملية السياسية وأطرافًا من القوى خارجها، مشيرًا إلى أن الهيئة والمؤتمر التأسيسي طلبا تحقق عدة أسس للموافقة على المشاركة في المؤتمر، في مقدمتها: أن لا يعد هذا المؤتمر جزءًا من العملية السياسية وأن لا يسعى لإدخال المناهضين لها فيها، وأن لا يُعقد المؤتمر في العراق، مبينًا أن اجتماعًا خاصًا لهيئة علماء المسلمين عُقد في وقتها؛ لوضع الخطوط العامة لهذه الأسس بالتشاور مع المؤتمر التأسيسي لصياغتها النهائية.

وذكر الأمين العام أن الجامعة التزمت بهذا المطلب، وأن أمينها العام آنذاك (عمرو موسى) زار بغداد لهذا الغرض مع وفد كبير من الجامعة لغرض مفاتحة الأطراف المدعوة للمشاركة فيه، وزار الوفد الهيئة في مقرها في جامع أم القرى، حيث عُقِد اجتماعٌ موسعٌ في قاعة المؤتمرات في المقر، حضرته عدة قوى وطنية وفي مقدمتها المؤتمر التاسيسي الوطني العراقي، فضلًا عن ضيوف وأعضاء الهيئة، والصحافة العراقية والعربية والعالمية، وطُرح الموضوع مع الوفد بكل صراحة ووضوح.

وبيّن الأمين العام أن مشاركة الهيئة في المؤتمر تمت بوفد ضم: (الأمين العام الشيخ حارث الضاري –رحمه الله- والشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي عضو الأمانة العامة والناطق الرسمي للهيئة، والدكتور خليل اسماعيل الحديثي –رحمه الله- أستاذ القانون ومستشار الهيئة، والدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول الإعلام في الهيئة)، فضلًا عن وفد المؤتمر التأسيسي برئاسة الشيخ جواد الخالصي وعضوية الدكتور خالد المعيني وآخرين، وعدد من الشخصيات الوطنية المستقلة، ومنهم: السيد وليد الزبيدي والحاج مجيد عاشور الكبيسي –رحمه الله-؛ لافتًا إلى أن المشاركة حققت هدفًا مهمًا ـ يغفل عنه كثيرون ـ وهو إبطال ادعاءات وإشاعات بل كذب أطراف العملية السياسية بعدم امتلاك القوى المناهضة للاحتلال لمشروع سياسي لإنقاذ العراقي وكذلك تفنيد نظريتهم الموهومة بانعزال هذه القوى وعدم تمثيلها لكل الأطياف العراقية.

وأشار الدكتور مثنى الضاري إلى أن من الوثائق المهمة التي تتصل بهذا الموضوع؛ كلمة الأمين العام للهيئة التي أعاد فيها طرح خطة جدولة انسحاب قوات الاحتلال التي قدمت للأمم المتحدة في عام 2004، وأوضح فيها الأسس التي ينبغي مراعاتها في أيةِ عملية حوار وطني حقيقي، وهي الأسس التي يمكن أن  يبنى عليها حل الأزمة في العراق، مبينًا أن هذه الأسس هي:  تحديد جدول زمني مكفول دوليًا لانسحاب قوات الاحتلال ـ وهو أصل المشكلة ـ، وأن المقاومة حق مشروع والإرهاب بكل أشكاله جريمة مرفوضة، والعمل على إعادة الجيش العراقي بعد إقصاء العناصر المسيئة منه، وحلِّ المليشيات المسلحة، وحل الإشكالات المترتبة على وجود الاحتلال، وبخاصة قضايا المعتقلين بغير حق في سجون الاحتلال والحكومة، ثم تشكيل لجان محايدة للتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها عناصر الأجهزة العراقية الأمنية وغيرها.

وأكد الدكتور الضاري أن هذه الكلمة حظيت باهتمام الحاضرين وكان صداها في وسائل الإعلام كبيرًا، وقد عدّتها القوى المناهضة للاحتلال موقفًا موحدًا لها يغنيها عن مواقف أخرى في المؤتمر، إذ تم الاتفاق في نهاية الاجتماع بعد جلستي مفاوضات مع القوى الأخرى في موضوع الجدولة وإعادة النظر في كثير من المواضيع،  ولكن قبل أن يجف حبر هذه التوصيات نقضتها حكومة بغداد وقتها ولم يُطبق أي حرف فيها.

وفيما يتعلق بمؤتمر القاهرة الثاني سنة 2006؛ شرح الأمين العام دواعيه ومقدماته، مبينّا أن الجامعة العربية وجهت مرة أخرى دعوة إلى هيئة علماء المسلمين؛ للمشاركة في مؤتمر الوفاق العراقي المزمع عقده بتاريخ 22/6/2006م في بغداد، وقد أصدرت الهيئة تصريحًا صحفيًا بتاريخ 8 جمادى الأولى 1427 هـ الموافق 5/6/2006م، ذكرت فيه أن الأمانة العامة في الهيئة ناقشت موضوع الدعوة، وانتهت إلى موقف عبر عنه السيد الأمين العام للهيئة الدكتور حارث الضاري، في رسالة بعثها إلى السيد الأمين العام لجامعة الدولة العربية الأستاذ عمرو موسى بتأريخ 27/5/2006م.

وتلى الدكتور مثنى الضاري الرسالة كاملة، وهذا نصها: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. تلقينا باعتزاز دعوتكم الكريمة لحضور مؤتمر الوفاق العراقي المقرر عقده في 22/6/2006 في بغداد؛ إكمالًا للمبادرة العربية في مؤتمر القاهرة. وفي الوقت الذي نثمن اهتمامكم بالشأن العراقي، وحرصكم المعهود على حل الأزمات العربية عامة والأزمة العراقية خاصة، نؤكد لكم حرصنا كذلك على إنجاح أي مبادرة عربية، تفضي _ من خلالكم _ إلى ما فيه صالح بلدنا وأمتينا العربية والإسلامية.

بيد أن تجربتنا السابقة في مؤتمر القاهرة، أكدت لنا أن الأطراف الأخرى المشاركة في المؤتمر لم تكن جادة في الوصول إلى أي وفاق، فقد تنصلوا من بيان هذا المؤتمر رغم أنهم أبدوا حينها الموافقة عليه، تنصلوا منه (قولًا) بعد ساعات من انفضاضه، و(فعلًا) خلال الأشهر السابقة، التي تعد الأكثر دموية والأعنف طائفيا منذ احتلال العراق قبل ثلاث سنوات. من هنا، ومن أجل أن نضمن إنجاح مبادرتكم لما فيه صالح العراق والعراقيين، وعدهم استغلالها من أصحاب المآرب الضيقة للحصول على مكاسب تصب في مصالحهم خاصة، فإننا نحيطكم علمًا بأن ثمة أمورًا  -في تقديرنا- لابد من اعتمادها سلفًا، حتى يمكننا المشاركة في هذا المؤتمر، وهي:

 أولًا: تنفيذ توصيات مؤتمر القاهرة، وفي مقدمتها الاعتراف بحق الشعب العراقي في مقاومة الاحتلال، والمطالبة بجدولة انسحاب قواته.

ثانيًا: الإيقاف الفوري للمداهمات والاعتقالات، وإطلاق سراح المعتقلين في سجون الاحتلال وفي سجون الحكومة، وتشكيل لجان بإشراف الأمم المتحدة للتحقيق في الانتهاكات والجرائم التي تعرض لها المعتقلون والسجناء. وكل ذلك مما تم الاتفاق عليه في مؤتمر القاهرة.

ثالثًا: قصر المشاركة العراقية في المؤتمر على ممثلي القوى السياسية والدينية والعشائرية والاجتماعية، والشخصيات الوطنية بعيدًا عن التمثيل الرسمي.

رابعًا: ألا يُعد هذا المؤتمر جزءًا من العملية السياسية الجارية في العراق ولا يتخذ سبيلًا لإضفاء الشرعية عليها.

خامسًا: أن تضمن الجهات المشرفة على مؤتمر الوفاق تطبيق مقرراته وإنفاذها في حال اتفاق جميع الأطراف عليها.

سادسًا: عقد المؤتمر خارج العراق؛ لإبعاده عن تأثيرات قوى الاحتلال وغيرها؛ ولعدم توفر الظروف الأمنية المناسبة للمشاركين فيه.

وأخيرًا وليس آخرًا: إننا نسجل لشخصكم الكريم اعتزازنا وتقديرنا لما بذلتموه من جهود مخلصة في سبيل نصرة العراق وأهله. نسأل الله سبحانه لكم التوفيق، وباركم فيكم، وسدد خطاكم)).

وعلى إثر ذلك عُقد اجتماع اللجنة التحضيرية في القاهرة بتاريخ (23/7/2006) بعد تعهد من الجامعة بالأسس الستة متقدمة الذكر، لكن اللقاء كان مختصرًا ولم تسلط عليه الأضواء وأهمل إعلاميًا، وقد جرت فيه نقاشات مستفيضة وحادة في كثير من مفاصله، وحصلت مواجهات كلامية شديدة بين طرفي القوى المناهضة للاحتلال وتحديدًا: وفد الهيئة ووفد القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية، لكن بالمقابل حصلت في اللقاء حالة من التنسيق والتعاون المثمر بين ممثلي القوى المناهضة للاحتلال، وأسفرت النقاشات عن التوصل إلى نقاط عدة لعل من أهمها التأكيد على توصيات المؤتمر السابق وعلى رأسها موضوع جدولة الانسحاب، فضلًا عن الاتفاق على إعادة النظر في الدستور كاملًا، وبيّن الدكتور مثنى الضاري أن الأمر الأخير تحقق بعد جهد جهيد وخلاف كبير وصراع مع أقطاب المروجين لمشروع الاحتلال وعمليته السياسية؛ انتهى أخيرًا إلى إقرار نص العبارة التي طالبت بها القوى المناهضة للاحتلال وأصرت على  وضعها في النص الأخير للتوصيات.

وقرأ الأمين العام بنودًا ومخرجات من ذلك كله؛ تعبّر عن مبدأ القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، ومنها: أن مؤتمر الوفاق في القاهرة ليس من إفرازات الاحتلال أو العملية السياسية والدليل على ذلك أنه تم بتدخل جهة خارجية معتبرة عند الجميع وهي الجامعة العربية، مشيرًا أن هذا هو ما تؤكد عليه الهيئة في الحل الذي تقترحه بضرورة تدخل جهات خارجية وأن لا تترك الساحة للمحتل والمتعاونين معه.

وبيّن الدكتور الضاري أن مؤتمر القاهرة لم ينتج عنه أي اعتراف بالعملية السياسية؛ بل حصل العكس، وأن خطاب الهيئة الذي ألقاه الأمين العام الراحل الشيخ حارض الضاري ـ رحمه الله ـ يعد وثيقة تاريخية في هذا المقام، لاسيما وأنه أكد فيه على بطلان العملية السياسية، وعلى الاعتراف بالمقاومة وجدولة الانسحاب، ولكن أطراف العملية السياسية نقضوا هذه التوصيات قبل أن يجف حبر التوقيع عليها؛ وذلك لعدم تحقيقه ما كانوا يصبون إليه.

واستعرض الدكتور مثنى الضاري بعض الوقائع المؤرخة والموثقة الأسماء والعناوين المحاولات المتكررة من قبل حكومة نوري المالكي في 2006 وما بعدها؛ الاتصال بهيئة علماء المسلمين وأمينها العام الراحل، سواء بشكل مباشر منها أو عن طريق وسطاء كالجامعة العربية؛ وقد كان جواب الهيئة في كل مرة يقضي بوجوب تنفيذما اتفق عليه في مؤتمري القاهرة قبل الحديث عن أي مقترح للقاء، وهو ما لم يحصل.

ثم تناولت المحاضرة مؤتمر مكة الذي أشرفت عليه منظمة التعاون الإسلامي وكان ذا طبيعية دينية رغم ما فيه من بعد سياسي ولكنه في إطار ضيق ويعالج موضوع المصالحة فحسب، مبينًا أن أطرافًا دينية بحتة في الغالب هي من حضرته، وأن الهدف الأساسي منه يصب في صالح الحكومة ولكن حضور الهيئة فيه أفشل هذا الهدف.

وعن مشاركة وفد من الهيئة في هذا المؤتمر؛ أشار الدكتور مثنى الضاري إلى أن الهيئة تتعامل بحذر وبحسبان مع هذا النوع من المؤتمرات، ولذلك لم يشارك فيه الأمين العام الراحل ـ رحمه الله ـ بشخصه على الرغم من وجوده في مكة أثناء انعقاده؛ وذلك بسبب عدم حضور المراجع الدينية له، في دليل على سعي الهيئة الدؤوب للتعريف بالقضية العراقية بدون إعطاء الاحتلال أو الحكومات المشكلة في ظله أي فرصة للنفاذ باتجاه القوى المناهضة للاحتلال أو التوهين منها.

واهتمت المحاضرة أيضًا بإيراد عدد من الحقائق والوقائع ذات العلاقة بالرحلة التاريخية لهيئة علماء المسلمين والقوى الوطنية معها في السنوات الأولى من عمر الاحتلال، وجرت في ختامها مداخلات وأسئلة أدلى بها الحاضرون الذي تنوعوا ما بين أكاديميين وباحثين وناشطين وصحفيين، فضلًا عن جمع من أبناء الجالية العراقية في الأردن.

الهيئة نت

ج